رمضان بين المجاهدة والفيض، لماذا لا تتساوى الأشهر؟
تمهيد
في مساء يوم الجمعة، وخلال حديثٍ هاتفيٍّ مع سيدي فتح الله، لم يكن الكلام عن رمضان من جهة الأحكام أو العادات، بل عن اختلاف الأثر؛ عن ذلك التحوّل الذي يُشعَر به فجأة في سهولة الطاعة، وخفّة القيام، وحضور القلب بلا استدعاء.
وكان السؤال الذي دار بيننا بسيطًا في لفظه، عميقًا في دلالته:
هل هذا التحوّل ثمرةُ مجاهدةٍ فرديةٍ خالصة، أم أنّ لرمضان خصوصيةً تتجاوز جهد الإنسان، فيكون الزمان نفسه شريكًا في الفتح؟
ومن هذا السؤال وُلد هذا المقال، لا طلبًا لجوابٍ قاطع، بل تأمّلًا في هذا الفرق، في شهرٍ لا تتساوى فيه الأزمنة، ولا تتشابه فيه الأحوال.
المقدّمة
في بعض الأزمنة، لا يكون السائر هو الذي يَصعد وحده، بل يكون محمولًا وهو يمشي؛ تخفّ المجاهدة، ويَلين القلب، وتُفتح أبوابٌ لم تكن تُفتح من قبل، لا لأنّ العبد قد تبدّل فجأة، بل لأنّ الزمان نفسه دخل في حالٍ آخر.
وهنا يبدأ إدراكٌ خافت بأنّ ما يُدرَك في رمضان لا يُفسَّر كلّه بميزان الجهد وحده، وأنّ بعض التيسير إنّما يقع لأنّ الطريق نفسه قد صار أقرب، والحمل أخفّ، والآفاق أوسع.
إنّ من ذاق هذا الفرق يعلم أنّ الأشهر لا تتساوى في ميزان القلوب؛ فرمضان ليس مجرّد موسمٍ نُكثِر فيه العمل، بل زمنٌ تُكثَّف فيه المعاني، ويُضاف إلى سعي العبد عطاءٌ لا يُنال بالاجتهاد وحده.
ومن هذا المنطلق تأتي هذه الصفحات نظرًا في رمضان بوصفه حالةً تتداخل فيها المجاهدة بالفيض.
التجربة الحيّة… علامة لا تُكذَّب
في ليالي رمضان، يستيقظ المرء قبل الفجر بيسرٍ لا يعرفه في غير هذا الشهر، لا بعد صراعٍ مع النوم ولا عن شدّة عزم، بل كأنّ الاستيقاظ قد سبق إليه.
يقوم خفيفًا، ويجد في الوضوء والذكر حضورًا هادئًا، ويؤدّي القيام دون تلك المقاومة التي كانت تُلازمه في سائر الأوقات، فيشعر أنّ العسر الذي اعتاده قد خفّ أو غاب.
وحين يقارن هذه الحال بأيامه خارج رمضان، يتبيّن له أنّ الإنسان هو هو بضعفه وانشغالاته، غير أنّ القدرة ليست هي نفسها؛ فما كان يحتاج إلى مجاهدةٍ طويلة صار أقرب، وما كان يتطلّب إلحاحًا صار يُستقبل بطمأنينة.
وهنا يتبيّن، في مستوى الذوق لا التحليل، أنّ الأثر لا يتعلّق بالعبد وحده، بل بالحال التي يدخل فيها الزمان.
في الرؤية الصوفية، تُعدّ هذه التجربة الروحية دليلًا ذوقيًا قائمًا بذاته؛ فما يُدرَك بالذوق لا يُردّ بالجدل، وإذا تكرّر الأثر في زمنٍ بعينه، دلّ على أنّ للأزمنة أحكامًا، وأنّ بعض الشهور تحمل من المعاني ما لا يُنال في غيرها، ولو تشابهت الأعمال.
الفهم الأوّل – ازدياد الروحانية بفعل المجاهدة
لا خلاف في أنّ رمضان شهرُ مجاهدةٍ بامتياز؛ فالصيام يُضعف سلطان النفس ويُخفّف ثقل الجسد، فيتهيّأ القلب لما كان يعسر عليه في غيره.
وحين يقلّ الاشتغال بالمادّة، تنفتح مساحةٌ أوسع للحضور، ويصير الإنسان أقدر على الإصغاء لما يجري في باطنه.
ويتعزّز هذا الأثر مع انتظام الذكر وقيام الليل وتلاوة القرآن، إذ تُنشئ هذه الأعمال انضباطًا روحيًا متراكمًا، يرقّ معه القلب ويسهل ما كان مستثقلًا.
وهذا فهمٌ صحيح تؤيّده التجربة والمنطق الروحي.
غير أنّ الاكتفاء بهذا التفسير وحده يترك سؤالًا لا يمكن إغفاله: فهذه الممارسات نفسها قد تُؤدّى في غير رمضان، دون أن تُثمر الأثر ذاته.
فلو كان الأمر مجرّد نتيجةٍ آلية للمجاهدة، لتساوت النتائج بتساوي الأعمال.
ومن هنا يتبيّن أنّ المجاهدة، على ضرورتها، ليست وحدها مفتاح الفتح.
الفهم الثاني – رمضان كتحوّل كوني
في الفهم الصوفي، لا يُعامل الزمن كحيّزٍ محايد، بل كحقيقةٍ موصوفة تختلف أحكامها باختلاف ما يُودَع فيها من أسرار.
ورمضان، بهذا الاعتبار، ليس شهرًا تُضاعَف فيه الأعمال فحسب، بل حالٌ زمانيٌّ يدخل فيه العالم كلّه في نظامٍ أخفّ وألين.
في هذا الشهر، لا يتغيّر الإنسان وحده، بل يتغيّر معه السياق الذي يتحرّك فيه؛ فتُخفَّف الحُجُب، وتُحتوى بعض المؤثّرات، وتُفتح أبواب المعنى بكثافةٍ لا تتكرّر في غيره.
لذلك تكتسب الأعمال فيه بركةً زائدة، لا تُقاس بحجم الجهد، بل بما يوافقها من عطاءٍ سابق على العمل.
وهنا يتجلّى معنى الفيض: ليس السالك وحده من يصعد بدرج المجاهدة، بل الرحمة هي التي تنزل فتلقاه.
وهنا يظهر الفرق بين المقام الذي يُكتسَب بالمجاهدة، والحال الذي يُوهَب بالفيض ولا يُطالَب بدوامه.
فإذا التقى الصعود بالنزول، وقع الفتح بأقلّ مما كان يُتوقّع، واتّسعت النتائج بما لا يتناسب مع الأسباب الظاهرة.
ولذلك قال أهل الطريق: «الأعمال أسباب، والفتح موهبة. »
على هذا الأساس، لا يُدرَك القيام قبل الفجر في رمضان على أنّه إنجازٌ شخصي، بل استجابةٌ لدعوةٍ يهيّئها الزمان نفسه، فيُحمل العبد إلى الطاعة قبل أن يحمل نفسه إليها.
لماذا لا تتكرّر نفس النتائج خارج رمضان؟
إذا انقضى رمضان، عاد العالم إلى حالته المعتادة، وعادت معه الكثافة التي كانت تُثقل القلب، لا لأنّ المعاني قد زالت، بل لأنّ السياق الذي كان يُعين عليها قد انحسر.
خارج رمضان، يظلّ الطريق مفتوحًا، لكنّه أقلّ تمهيدًا؛ فيبذل السالك الجهد نفسه دون أن يجد الأثر ذاته، لأنّ الزمان لم يعد شريكًا كما كان.
أمّا في رمضان، فإنّ الخطوة الصغيرة تُضخَّم، ويُحمَل القلب أكثر ممّا يُدفَع.
ولهذا شبّه أهل الطريق الفرق بين الحالين بمن يجدّف في بحرٍ ساكن، ومن تحمله موجةٌ في اتجاهها.
ومن هنا يتّضح أنّ ليس كلّ زمنٍ زمنَ فيض، ولا كلّ ساعةٍ ساعةَ فتح.
الرسالة الصوفية – لا تغترّ بنفسك
من أخطر ما قد يُبتلى به السالك بعد رمضان أن ينسب ما وجده من خفّةٍ وقربٍ إلى نفسه، مع أنّ الطريق الصوفي يُعلّم أنّ الفتح إذا نُسِب إلى الجهد وحده انقلب حجابًا.
فرمضان لا يُراد به أن يُشعر العبد بقوّته، بل أن يُريه ماذا يكون إذا فُتِح له الباب، وماذا يصير إذا أُوكِل إلى نفسه.
وفي هذا المعنى، يكون الشهر مدرسةً في التواضع قبل أن يكون موسمًا للعمل.
ويجدر هنا الالتفات برحمةٍ خاصّة إلى المرضى الذين يُحرمون الصيام لا اختيارًا، بل امتثالًا.
فكثيرٌ منهم يقوم بالذكر والصلاة، ومع ذلك يجد في القلب حرجًا خفيًا.
والحقيقة أنّ القرب لا يُقاس بصورة العمل، بل بحال القلب، وقد يكون الرضا والتسليم في حقّ المريض عبادةً لا تقلّ وزنًا عن الصيام نفسه.
والثمر الحقيقي لهذه التجربة ليس دوام الحال، بل إدراك أنّ ما كان إنّما كان بعطاءٍ لا بحقّ، وبفيضٍ لا بقدرة.
الخاتمة
إذا انقضى رمضان، فليس المطلوب استعادة الحال، ولا قياس الصدق ببقاء الشدّة؛ فالأحوال تُوهَب ولا تُستدام بالقهر.
غير أنّ ما يبقى ليس الفراغ، بل الحنين إلى الذوق، شاهدًا على أنّ القلب قابلٌ للاستيقاظ.
ومن ذاق عرف، ومن لم يذق لم تُغنه العبارة.
وفي هذا المعنى، يكون رمضان حجّةً للعبد لا عليه؛ دليلًا على أنّ أبواب المعنى تُفتح متى شاء الله، لا متى ظنّ الإنسان أنّه استكمل الشروط.
ومن حفظ هذا اليقين، عاش بعد رمضان ساكنَ الرجاء، منتظرًا الفتح بصدقٍ وتسليم.
✦ مشكاة النبوة