الله غاية، والرسول ﷺ ميزان، والشيخ دليل
إذا طغت المحبة وضاع الأصل، تنبيه في غلوّ المريدين
تمهيد
جاءت هذه الكلمات استجابةً لطلبٍ صادق من إحدى القارئات الكريمات، عبّرت فيه عن قلقٍ مشروع من مظاهر غلوٍّ آخذة في الظهور عند بعض المنتسبين إلى الطريق، حيث يختلّ ميزان المحبة والبيعة، ويُنسى الأصل الذي لا يقوم السلوك إلا به.
وقد رأت — مشكورة — الحاجة إلى كتابةٍ تُنبّه العموم، وتُعيد الأمور إلى نصابها، حفظًا للتوحيد، وصيانةً لمعنى الصحبة، ودفعًا لخطرٍ إن تُرك دون بيان تحوّل من خللٍ محدود إلى آفةٍ عامة.
ولا يكاد طريقٌ من طرق السلوك يخلو من هذه المظاهر، إذ هي مرتبطةٌ بطبيعة التلقّي البشري أكثر من ارتباطها بالطرائق نفسها، وتقع حيثما غابت التربية المتوازنة وحضرت العاطفة بلا ميزانٍ علميٍّ ولا بصيرة.
مقدمة
المحبة في طريق الله ليست ترفًا روحيًا، ولا زينة عاطفية تُضاف إلى السلوك، بل هي روح الطريق وقلبه النابض.
وبقدر ما تكون المحبة صادقة منضبطة، يكون أثرها تزكيةً للقلب ورفعًا للحجاب، وبقدر ما تنفلت من ميزانها، قد تنقلب من وسيلة قرب إلى حجابٍ خفي، ومن نور هداية إلى سبب بُعد.
وقد عظّم أهل التصوف مقام الصحبة والشيخ، لما في النفس من آفات لا يبصرها صاحبها، ولما في السير إلى الله من دقائق لا يُهتدى إليها بمجرد العلم النظري، غير أن هذا التعظيم لم يكن يومًا خروجًا عن الأصل، ولا تقديمًا للمخلوق على الخالق، ولا إحلالًا للوسيلة محلّ الغاية.
غير أن المتأمل في أحوال بعض المريدين — سواء في تجارب ميدانية، أو فيما يتداوله أهل الطريق من نصائح ومواعظ، أو فيما يُنقل عن سلوكيات تاريخية وردت في كتب الطرق— بقلقٍ مشروع — تسلّل مظاهر غلوٍّ في المحبة، حتى كادت عند بعضهم تطغى على الأصول وتُربك المقاصد، فتُعلَّق القلوب بالأشخاص أكثر مما تُعلَّق بالله، ويُعطى الشيخ من صفات العصمة ما لا يليق إلا بالأنبياء.
وهذا الغلو، وإن لبس في ظاهره ثوب الوفاء، إلا أنه في حقيقته ابتلاء دقيق، يفسد صفاء التوحيد، ويشوّه معنى الصحبة، ويحوّل التربية من سيرٍ إلى الله إلى تعلقٍ يحجب عنه.
وهذه الكلمات موجَّهة إلى الطريق في معناها الكلّي، كما عاشه السالكون عبر العصور، لا إلى طريقةٍ بعينها ولا إلى تجربةٍ مخصوصة، غايتها استعادة الميزان حيث اختلّ، وحفظ المقصد حيث غلبت الوسيلة، ليبقى الله هو الغاية، وتُحفَظ الأسباب في مواضعها.
الأصل الذي لا يُنسى – التوحيد والاتباع
التصوف ليس مسلكًا مستقلًا عن أصول الدين، ولا طريقًا وجدانيًا قائمًا بذاته، بل تعميق لمعنى العبودية، وسيرٌ إلى الله على بصيرة الاتباع.
وقد أسّس أهل التصوف هذا الميزان منذ القرون الأولى، فقال الجنيد البغدادي إمام الطائفة بإجماعهم —: “التصوف نظافة الباطن، والسنة هي الظاهر”، وقال أبو القاسم القشيري: “طريقنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة”، فلا تصوف بلا اتباع، ولا حال يُعتمد عليه إذا خالف الشرع.
فالأصل الذي لا يجوز أن يُزاحَم باسم التربية أو الصحبة هو الله ورسوله ﷺ؛ بهما يبدأ الطريق، وبهما يستقيم، وإليهما ينتهي.
فالتوحيد في طريق القوم ليس مجرد اعتقاد يُردَّد، بل هو ميزان الأحوال؛ فكل حال لا يزيد العبد تعظيمًا لله، فهو حال يحتاج إلى مراجعة لا إلى تمجيد، وكل مجاهدة لا تثمر إخلاصًا أوضح، فهي ناقصة مهما اشتدّت.
وعلى هذا الأصل يتأسس الاتباع؛ فلا تزكية صحيحة خارج سنّة النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا.
وكل ذوق لا يشهد له الاتباع، فهو ذوق مشكوك فيه، وكل إشارة تُعارض نصًّا فهي مردودة، مهما تلوّنت بلغة الخصوصية أو المقام.
ومن هنا يتحدد مقام الشيخ تحديدًا يرفع الالتباس ويمنع الغلو: دليل لا بديل، وواسطة تربية لا مرجعية تشريع؛ يُرشد إلى الله ولا يُحِلّ محلّه، ويُذكِّر بالأصل ولا يُؤسَّس عليه الإيمان.
فالشيخ يُعرَف بقدر ما يُعيدك إلى الله، لا بقدر ما يشدّك إليه.
الغلو في الشيخ – من المحبة إلى التقديس الخفي
الغلو لا يعني مجرد شدة المحبة، بل تجاوز الحدّ المشروع في التعلّق حتى تزاحم المحبةُ الأصلَ أو تحجبه.
وهو لا يبدأ انحرافًا صريحًا، بل يتسلّل بتدرّج خفي: إعجابٌ بالحال، ثم تعلّقٌ بالواسطة، ثم نسيانٌ للميزان.
والغلو نوعان: غلوٌّ اعتقاديٌّ يختلّ به ميزان التوحيد، وغلوٌّ سلوكيٌّ يفسد التربية ولو مع سلامة الاعتقاد؛ ولكلٍّ منهما علاجُه: فالأول يُعالَج بتصحيح التوحيد والرجوع إلى أصول الاعتقاد، والثاني بإعادة التربية إلى ميزان الاتباع دون تجفيف المحبة.
ومن مظاهره تعطيل العقل باسم التسليم، حتى يصبح السؤال خيانة، والمراجعة ضعفًا في الأدب، مع أن العقل في طريق القوم آلة تمييز لا خصم تربية.
ويظهر ذلك صريحًا في قول بعض المريدين» لو رأيتُ شيخي يفعل الكبائر لقلتُ إنني لم أُحسن الرؤية «، وهو انتقال بالأدب من حسن الظن المشروع إلى إسقاط ميزان التمييز، وتعليق الحكم الأخلاقي باسم المحبة.
وقد حذّر النبي ﷺ من هذا الغلو بقوله: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله”، فالمُبالَغة في التعظيم — وإن بدتْ وفاءً —هي بداية الخروج عن الاتباع.
وفي رواية أخرى: “هلك المتنطعون”، أي الذين يتجاوزون الحد في التعظيم حتى يُحلّوا المحلّ الأعلى.
ويبلغ الغلو ذروته حين يُقدَّم الشيخ على النص، أو تُعطَّل الأحكام باسم الحال، مع أن النص هو الميزان الذي تُعرف به صحة الإشارة لا العكس.
وقد سدّ القرآن أصل هذا الباب من منبعه الأعلى، حين قرّر بشرية النبي ﷺ نفسه، مع ثبوت الوحي له، فقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾
فإذا كان هذا تقرير المقام الأعلى، تبيّن أن كل تعظيم بعده لا بد أن يبقى داخل حدّ العبودية.
ومن صور الغلوّ الخفيّ أيضًا أن يُتساهل – باسم الطريق أو الغيرة عليها – في بعض الضوابط الشرعية، فتُبرَّر مخالفاتٌ ظاهرةٌ بدعوى “الحال” أو “القصد النبيل” أو “المصلحة العامة للطريقة”، وكأن المحبة أو حسن النية يُنشئان استثناءً خاصًّا يُعفي من الالتزام.
وهذا الغلو السلوكي ينبع غالبًا من “نية حسنة” مُبالغ فيها، حيث يُبرَّر تجاوز الضوابط بدعوى “الحال” أو “القصد النبيل”، كأن المحبة تصنع استثناءً أخلاقيًا.
والخطر هنا أن التبرير يُصبح عادةً، فالاستثناء الأول يمهّد لثانٍ، حتى يضيع الميزان تحت تكاثر “النوايا الطيبة”.
وهذا خللٌ في الميزان؛ إذ لا تُصان المقاصد بتجاوز الوسائل المشروعة، ولا تُحفَظ التربية بفتح أبواب الالتباس، لأن ما لا يُؤمَن جانبه لا يُتصدّى له، وما احتيج فيه إلى كثرة تبرير فتركه أولى من فعله.
ويظهر الغلو الاعتقادي بأوضح صوره حين يُنسَب إلى الشيخ سرٌّ كونيٌّ يُعلَّق عليه وجود البلاد، كما في قول بعضهم » لولا شيخي لما وُجد المغرب «، وهو تصور يُزاحم سنن الله في الحفظ والتدبير، ويُلبس الأشخاص وظائف لا تكون إلا لله.
والخطر في هذا الغلو أنه لا يُفسد السلوك فجأة، بل يُربك ميزان التوحيد ببطء، حتى يُستأنس بالحجاب. وتغذّيه أسبابٌ نفسية وتربوية، في مقدمتها ضعف التكوين العقدي، والبحث عن أمان روحي سريع، والخلط بين فناءٍ يزيد حضور القلب مع الله، وفناءٍ يُعطّل التمييز ويُبرَّر باسم الحال.
الصحبة الصحيحة – الميزان بين الأدب والبصيرة
وإذا كان الغلو قد تسرّب إلى القلوب، فالعلاج ليس في هجران الصحبة، بل في إعادة تعريفها؛ فالصحبة الصحيحة ليست إلغاءً للعقل، ولا تعليقًا للحكم، بل ممارسةٌ مشتركةٌ على ميزان الاتباع.
علاج الغلو ليس بنزع المحبة من القلوب، بل بإعادتها إلى ميزانها الصحيح.
فالصحبة تربية تجمع بين التعظيم والتمييز، وبين الأدب والبصيرة.
فالمحبة الصادقة هي التي تُثمر استقامة، لا مجرد حرارة شعورية.
والأدب مع الشيخ لا يعني إلغاء العقل، بل حسن التلقّي مع بقاء البصيرة حاضرة.
والشيخ المربي هو الذي يردّ المريد إلى الله، ويفرح باستقلال قلبه بالله، ولا يرى في السؤال المؤدب تهديدًا، ولا يرضى أن يُقدَّم على الشريعة.
وكل صحبة لا تُثمر استقلال القلب بالله، فهي صحبة تحتاج إلى مراجعة، لا إلى دفاع.
وفي المقابل، على المريد مسؤولية دائمة في تصحيح قصده، وسؤال نفسه:
هل تزيدني هذه الصحبة قربًا من الله، أم تعلقًا بالأشخاص؟
وهل تُنمّي فيّ العبودية، أم تُخدّر فيّ المجاهدة؟
خاتمة
الغلو في المحبة ليس وفاءً، بل خيانة للمقصد؛ لأن المقصد من كل صحبة وتربية أن ينتهي القلب إلى الله خالصًا، لا أن يتوقف عند الوسائل مهما علت أقدارها.
والطريق إلى الله أوسع من الأشخاص، وأبقى من التجارب الفردية؛ تتعدد فيه الأساليب، وتختلف فيه المقامات، لكن الغاية واحدة لا تتبدل.
فالدعوة ليست إلى هجر التصوف، ولا إلى إسقاط مقام الشيخ، بل إلى إعادة ترتيب التعلّق في القلب:
الله غاية، والرسول ﷺ ميزان، والشيخ دليل.
فالمحبة التي تحجب عن الله ليست محبة.
والصحبة التي تُضعف التوحيد ليست تربية.
✦ مشكاة النبوة