القلب إذا لم يرتجف خان

المقدمة

نحن لا نخاف من القلب لأنه يضلّ بوضوح، بل لأننا نطمئن إليه بسرعة، ونتعامل معه كأنه استقرّ أخيرًا وقال كلمته الأخيرة، فنُسكن فيه نياتنا ونمضي دون أن نلتفت إلى أنه يتغيّر ونحن نغفل، ويقسو ونحن نعتاد.

في هذه المنطقة غير المعلنة لا يكون الخطر صريحًا ولا صاخبًا، بل مهذّبًا، لا يدفع إلى الهرب ولا يوقظ الفزع، بل يهيّئ لنوع من النوم الهادئ الذي لا نشعر فيه بأن شيئًا في الداخل قد بدأ ينزلق.

وهنا بالضبط تبدأ المسألة.

القلب موضع القصد… حيث يبدأ الالتباس

القلب هو محل القصد والنية، لا بوصفه مفهومًا يُتداول، بل بوصفه واقعًا خفيًا تتشكّل فيه الاتجاهات قبل أن تظهر على هيئة أفعال.

فما من عمل يخرج إلى العلن إلا وقد مرّ به، وما من توجّه يتّخذ شكلًا إلا وقد صيغ فيه أولًا، غير أن هذا الموضع نفسه قابل للالتواء دون أن يترك أثرًا فوريًا.

قد يتحرّك العمل وتبقى النية متخفّية، وقد يصفو الظاهر بينما يكون الداخل مشغولًا بإعادة ترتيب نفسه على مهل، حتى يبدو لصاحبه أنه لم يتغيّر، وقد تغيّر كل شيء.

عند هذه النقطة يصبح الإنسان شاهدًا على أفعاله، لا على دوافعه، وتتحوّل النية التي لا تُراجع من قصد حيّ إلى دعوى مريحة.

وليس صدفة أن يأتي التحذير هادئًا لا صاخبًا:

﴿وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة﴾

(سورة البيّنة، الآية 5)

فالآية لا تشرح الإخلاص ولا تعلّمه، بل تضع مرآة مفتوحة، من وجد نفسه خارجها عرف دون أن يُقال له شيء.

تقلّب القلب وقسوته الصامتة

ولم يُسمَّ القلب قلبًا عبثًا، بل سُمّي كذلك لما فيه من تقلّب لا يستقرّ على حال.

غير أنّ هذا التقلّب لا يُدرك في لحظته، ولا يُفزع صاحبه ما دام يحدث في الداخل دون أثر ظاهر.

فيطمئنّ الإنسان إلى صورة قلبه، ويغفل عن حقيقته، ويحسب الثبات أمانًا، وهو في الحقيقة انقلاب لم يُلحَظ بعد.

القلب سريع التقلّب، وليس هذا خللًا عارضًا، بل طبيعته التي لا يجوز نسيانها، لأن المقلق حقًّا ليس التقلّب ذاته، بل أن يُعامل القلب كأنه استقرّ، ويُبنى على ذلك شعور خفيّ بالأمان.

فالتقلّب لا يُعلن عن نفسه دائمًا، بل يمرّ كتغيّر في المزاج الداخلي، كفتور لا يُسمّى، أو كغياب خفيف للسؤال الذي كان حاضرًا من قبل.

ثم تأتي الغفلة، لا في صورة معصية واضحة، بل في هيئة إرجاء متكرّر، والإرجاء، حين يطول، لا يُبقي القلب كما هو.

ومع هذا الإرجاء تتشكّل القسوة على مهل، لا قسوة الصدمة بل قسوة الاعتياد.

عندها يصبح القلب أقل حساسية وأقل انزعاجًا من نفسه إلى أن يستقرّ هذا البرود في الداخل كحال مألوف لا يُنتبه إليه إلا بعد أن يفقد قدرته على الارتجاف.

وعند هذا الحدّ لا يعود الكلام عن القلب توصيفًا نفسيًا، بل انكشافًا لمعناه الحقيقي.

ليس كلُّ ذكرٍ إيقاظًا، ولا كلُّ حضورٍ حياة. قد تكثر الكلمات، وتدفأ المجالس، ويأنس السامعون، بينما القلب غائب عن لحظته. ومن لم يُوقظه قلبه، تمرّ عليه الأذكار والكلمات كما تمرّ الصور.

في هذا السياق يصبح القول النبوي مرآة لا موعظة:

“ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.”

فالحديث لا يعد بالصلاح ولا يرسم طريقه، بل يذكّر بأن الفساد لا يبدأ من الخارج.

بين الاغترار والنجاة… مسافة الخوف

القلب يمكن أن يكون باب نجاة كما يمكن أن يكون آلة اغترار دقيقة، والفارق بين الحالين لا يُقاس بكثرة العمل ولا بحرارة الشعور، بل بحضور الخوف.

وليس المقصود هنا الخوف الذي يُقعِد القلب أو يُربكه، ولا الذي يُورِث اليأس أو التشكيك، بل ما يمكن تسميته مفهوم الخوف الحارس؛

ذلك الخوف الذي لا يمنع السلوك، بل يحرسه،

ولا يُضعف القصد، بل يمنعه من التحوّل إلى دعوى،

خوفٌ يبقي القلب في حالة يقظة، فلا يركن إلى صورته، ولا يطمئنّ إلى ما استقرّ عليه من حال.

ليس الخوف الذي يشلّ الحركة، بل ذلك الذي لا يسمح للنفس أن تطمئنّ إلى صورتها.

فالقلب الذي لا يخاف يطمئن بسرعة، والذي يطمئن يتوقّف عن المحاسبة، وحين تتوقّف المحاسبة يبدأ في بناء سردية مريحة عن نفسه، يصبح فيها الاغترار ممكنًا بل سهلًا.

في المقابل لا تأتي النجاة كحالة نورانية مطمئنة، بل كيقظة مزعجة، كعجز عن الاكتفاء بما يظهر، وكأن المعنى القرآني يُلقى على القلب دون شرح:

﴿بلِ الإنسانُ على نفسِه بصيرةٌ﴾

(سورة القيامة، الآية 14)

دون تفسير بعدها أو تعليق، إمّا أن يرى، أو أن يُعرض.

ومن هذا الموضع بالذات تتبيّن خطورة الاختيار، حين يقرّر الإنسان أن يضع قلبه بين يدي غيره، وأن يسلّمه لمن يقوده في طريقٍ يدّعي فيه النجاة.

فاختيار الشيخ ليس تفويضًا أعمى، ولا اندفاعًا عاطفيًا، ولا هروبًا من عناء المحاسبة، بل امتحان دقيق للقلب قبل أن يكون التزامًا بالطريق.

إذ ليس كلُّ من تصدّر للإرشاد أهلًا لأن يُؤتمن على القلوب، ولا كلُّ من أُعجب به المريد دليلَ نجاة.

هنا بالذات تظهر الحاجة إلى هذا الخوف الحارس: خوفٍ يمنع القلب من أن يُسلِّم نفسه قبل أن يتبيّن، ويحول دون أن يتحوّل التعلّق إلى غفلة، أو المحبّة إلى تعطيلٍ للبصيرة.

فالقلب الذي يُهدى دون يقظة، قد لا يُخان دفعةً، لكنه يُجرَّد تدريجيًا من قدرته على السؤال، وحينها لا يعود الطريق طريقًا، بل صورةً مطمئنة لا تُنقذ.

الخاتمة

هذا المقال لا يدعوك إلى إصلاح عاجل، ولا إلى قسوة على النفس، ولا إلى رضا سهل عنها، بل يدعوك فقط إلى التوقّف عن منح قلبك ثقة كاملة، وأن تقبل بأنه يتغيّر ويقسو ويخدع أحيانًا، وأنه لا يُؤمَن عليه إلا بقلق خفيف لا يغادر.

بعد ذلك لن تُطلب منك طمأنينة، ولن يُعرض عليك حل، بل ستبقى وحدك أمام هذا السؤال البسيط والمزعج:

حين تسكت الأصوات، وتغيب الصور التي كان القلب يستأنس بها، لا يبقى ما يُتعلَّق به ولا ما يُستَدلّ عليه.

يسقط التمثّل، وتبقى الحقيقة عارية من الشرح، فيقف الإنسان بقلبه لا بما يظنّه عنه.

هناك، لا يُمتحن القلب بما قال أو فعل، بل بما كان عليه حين خلا من كل ما سواه.

✦ مشكاة النبوة

شاركنا رأيك

Scroll to Top