العقل ميزانُ الطريق، والقلبُ روحُه

(ضرورة العقل في السلوك الصوفي)

تمهيد

يظنّ بعضُ السالكين أنّ السيرَ إلى الله لا يحتاجُ إلى عقلٍ ولا فكر، وأنّ مجرّدَ المحبّةِ كافٍ للوصول، فيُسلمون عقولَهم تسليمًا أعمى، ويُطفئون مصابيحَ التمييزِ باسمِ الطاعة.

وهذا — وإن بدا إخلاصًا — هو في الحقيقةِ غفلةٌ عن سنّةِ الله في خلقِه: فاللهُ لم يجعلْ القلبَ بديلاً عن العقل، ولا العقلَ عدوًّا للقلب، بل جعلَهما جناحَين للطيران في سماءِ القرب.

إنَّ الطريقَ الصوفيَّ في جوهرِه سيرٌ بالقلبِ المستنير، لا بالقلبِ المعطَّل، وعبادةٌ بعقلٍ خاشع، لا بعقلٍ غائب.

فمن ألغى عقلَه في الطريق، ألغى ميزانَه، ومن عطَّلَ فكرَه باسمِ المحبّة، فتحَ على نفسِه بابَ التقديسِ الموهوم.

العقل في القرآن: نورُ هدايةٍ لا خصمُ إيمان

العقلُ في ميزانِ القرآنِ ليس خصمًا للإيمان، بل دليلٌ عليه.

قال تعالى : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

(آل عمران: 190)

وقال أيضًا : ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾

(الملك: 10)

فالعقلُ في القرآنِ هو طريقُ النجاة، ومناطُ التكليف، وسببُ الهداية.

ولهذا كان المجنونُ مرفوعًا عنه القلم، لأنّه بلا وعيٍ ولا إدراك.

قال النبيّ ﷺ :

رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق’’.

(رواه أبو داود والترمذي)

فإذا رفع اللهُ عن المجنونِ الحساب، فكيف يرضى العاقلُ أن يعيشَ في حالٍ شبيهةٍ بالجنونِ باسمِ التسليم؟

إنّ تعطيلَ العقلِ طاعةً للشيخ ليس طاعةً لله، بل مخالفةٌ لسنّةِ الله في خلقِ الإنسان.

العقل خادمُ القلب، لا خصمُه

القلبُ هو محلُّ النورِ والإلهام، لكنَّ العقلَ هو الذي يُنظِّمُ هذا النورَ ويُميِّزُ بين الواردِ الرحمانيِّ والوهمِ النفسيّ.

قال الله تعالى : ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

(ق: 37)

فاللهُ تعالى قدّمَ “القلب” لأنَّه موطنُ الإشراق، لكنَّه قرنَه بـ”السمعِ” و”الشهود” — أي بالعقلِ الواعي الذي يُحسنُ الفهمَ ويزنُ المعاني.

فالسيرُ إلى اللهِ لا يكونُ بالقلبِ وحده ولا بالعقلِ وحده، بل بهما معًا في توازنٍ يُثمرُ البصيرة.

القلبُ يرى، والعقلُ يزن، والروحُ تسير.

الطاعةُ الواعيةُ لا العمياء

قال الله تعالى :

﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

(يوسف: 108)

فالبصيرةُ ليست كثرةَ الرؤى، بل وضوحُ الفهمِ واتّساعُ النظر.

الأنبياءُ نفسُهم ما كانوا يسيرون بلا فكرٍ أو فهم، بل كانوا يعقلون عن الله قبل أن يُبلّغوا عنه.

الطاعةُ في الطريقِ الصوفيِّ ليست إذعانًا أعمى، بل طاعةُ فهمٍ وشهودٍ ورضا.

الشيخُ مرآةٌ لا صنم، ومن عَبَدَ المرآةَ حُجِبَ عن النورِ الذي تعكسُه.

الشريعةُ قبلَ الحقيقة

قال أهلُ الله : من تشرّعَ ولم يتحقّقْ تزندق، ومن تحقّقَ ولم يتشرّعْ تفسّق، ومن جمعَ بينهما تحقّق.

الشريعةُ هي عقلُ الطريق، والحقيقةُ هي قلبُه، ولا قيامَ للقلبِ بلا رأس، ولا قيامَ للعقلِ بلا نبض.

الطريقُ يبدأُ من الفقهِ إلى الذوق، ومن النصِّ إلى المعنى، ومن الشريعةِ إلى الحقيقة،

لا العكس.

ومن أرادَ الوصولَ بغيرِ ميزانِ الشريعةِ والعقل، ضلَّ في متاهاتِ الوهمِ وادّعى الكمالَ وهو في أولِ الطريق.

الإيمانُ الواعي هو غايةُ السلوك

ليس في التصوّفِ خصومةٌ مع العقل، بل فيهُ ترقٍّ به إلى أن يكونَ عقلًا منوّرًا بنورِ الله.

قال الإمام الغزاليّ رحمه الله :

«العقلُ لا يُنكرُ الطريقَ، ولكنَّه يعجزُ عن إدراكِ نهايتِه، فيقفُ إجلالًا، لا إنكارًا.»

فالعقلُ الذي يفكّرُ بتواضعٍ، يبلغُ من الفهمِ ما لا يبلغهُ من تركَ الفكرَ ظنًّا أنَّه تسليم.

خاتمة

يا مَن تسيرُ إلى الله، اجعلْ قلبَك طاهرًا من الهوى، وعقلَك حاضرًا في كلّ أمرٍ، فبالعقلِ تعرفُ الشرع، وبالقلبِ تذوقُ الحقيقة.

ولا تنسَ أنّ اللهَ لم يُكلِّفِ المجنونَ، لأنّه بلا عقلٍ، فكيفَ يُقرِّبُ من عطّل عقلَه طوعًا؟

إنّ السلوكَ إلى اللهِ روحٌ تُسقى بماءِ الذكر، لكنّها لا تثمرُ إلا إذا سُقيَتْ بعقلٍ راشدٍ يزنُ الخطى.

فاجمعْ بين نورِ القلبِ ونورِ العقل، تسلمْ في الطريق، وتذقْ من أسرارِ القربِ ما لا يُوصَفُ بالحروف.

اللهمَّ اجعلنا من أولي الألبابِ الذين يستمعون القولَ فيتّبعون أحسنَه، واجعلْ عقولَنا سُبلًا إلى نورِك، وقلوبَنا مرايا لجمالِك.

✦ مشكاة النبوة

شاركنا رأيك

Scroll to Top