كنتُ هنا، لكنكم لم تفسحوا لي المجال

مقدمة

في داخل الإنسان شيءٌ لا يَطلب ما يطلبه الجسد، ولا يطمئنّ لما يطمئنّ إليه.

شيءٌ يشعر بالضيق حين تتكاثر الأسباب، وبالاختناق حين تكتمل الراحة.

كلّما زاد الامتلاء، خفَت ذلك النداء الخفيّ، لا لأنه غاب، بل لأن الضجيج صار أعلى منه.

هنا تبدأ الحيرة: هل الخلل في الروح أم في ما أُحيطت به؟

وهل الطريق إلى الصفاء يمرّ عبر الإضافة أم عبر النقص؟

الروح بين العلوّ والحيازة

ويعود السؤال بصورةٍ أدقّ:

هل الخلل في الروح، أم في ترتيب ما حولها؟

وهل الطريق إلى الصفاء يمرّ عبر الإضافة، أم عبر إعادة ضبط الميزان الذي اختلّ؟

أُودِعت الجسد لتدبير الوجود، لا للذوبان فيه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾.

لكن الجسد، بحاجاته المتكرّرة، لا يعرف الاكتفاء.

كلّ حاجة إذا لُبِّيت، خلّفت أُخرى.

ومع الزمن، يتحوّل التدبير إلى تملّك، والوسيلة إلى مركز.

ليس في الجسد شرّ، بل هو ضرورة التدبير.

غير أن الخلل يبدأ حين تتحوّل الضرورة إلى مرجعية،

وحين يصير ما خُلق لخدمة السير هو الذي يحدّد وجهته.

فتصير الروح منشغلة بحراسة ما لا ينتمي إليها، ومطالبة بخدمة ما لم تُخلَق لأجله.

وتستنزف صفاءها في صيانة صورةٍ توهّم الإنسان أنّ بقاءه رهينٌ بها.

عندها لا تغيب الروح، بل تُحبس في إدارة التفاصيل.

تقليل الحاجة لا إنكارها

أهل الطريق لم يدعوا إلى محو الجسد، بل إلى إعادته إلى حجمه الحقيقي.

فالعزلة أو الخلوة لم تكن رفضًا للناس، بل تخفيفًا لثقل الحضور المتواصل.

والصيام لم يكن عداءً للطعام، بل كسرًا لاعتياد الامتلاء.

وقيام الليل لم يكن استخفافًا بالنوم، بل محاولة لسماع ما لا يُسمَع في وفرة الراحة.

كلّ هذه الممارسات لم تُشرَع لتُتعب، بل لتُخفّف.

لأن الروح لا تحتاج إلى قوةٍ إضافية، بل إلى خفّةٍ في التعلّق،

فالفراغ ليس غيابًا للأشياء، بل غيابَ استحواذها.

وحين تقلّ الحاجة، لا تموت الحياة، بل تنكشف طبقة أعمق منها.

وكأنّ الأمر كلّه ميزانٌ دقيق، لا خصومة فيه ولا مساومة.

الروح والجسد كفّتا ميزان؛

لا يستقيم الوزن إذا استأثرت إحداهما بالثقل.

فكلّما ثَقُل أحدهما، خفَّ الآخر بالضرورة.

وليس المطلوب كسر الجسد، بل إنزاله عن موضع القيادة،

لأن في تخفيفه فقط تستعيد الروح وزنها الحقيقي.

وقد جرّبتُ أن أزيد في الامتلاء، ظنًّا مني أنّ الكثرة تمنح طمأنينة،

فاكتشفتُ أن الطمأنينة لا تولد من التراكم، بل من انسحاب ما كان يحتلّ الداخل دون أن أشعر.

وأن أكثر ما كان يثقلني لم يكن ما أملكه، بل تعلّقي به.

العادة بوصفها الحجاب الأشدّ

قد يُظنّ أن الحاجة هي العائق الأكبر، لكن الأشدّ خفاءً هو العادة.

العادة تجعل الحاجة صامتة، لا تُناقَش.

ما نفعله كلّ يوم بلا سؤال، يُمسك بنا أكثر مما نعتقد.

فكم من جسدٍ صائم، وقلبٍ ممتلئ بعادة الامتلاء.

وكم من ساهرٍ في الليل، لكن روحه نائمة في انتظام الطقوس.

التحرّر لا يبدأ من الفعل، بل من الوعي بالبنية التي يتكرّر داخلها الفعل.

من رؤية ما صار مألوفًا حتى فقد حضوره.

حين تُكسَر العادة، ولو جزئيًا، تستيقظ الروح فجأة على نفسها، كأنها تقول:

كنتُ هنا، لكنكم لم تفسحوا لي المجال.

ولعلّ الأمر أعمق من مجرّد استيقاظ.

فالروح لا تكتسب معنىً جديدًا حين تخفّ الحجب، بل تنكشف لها حقيقةٌ كانت محجوبة عنها.

فالذكر ليس إضافة معنى جديد، بل إزالة ما كان يحول دون حضوره.

والمجاهدة ليست قهرًا للنفس، بل تحريرًا لما كان حاضرًا ولم يُسمَع.

حينها لا تبحث الروح عن ربّها كما يبحث الغريب،

بل تلتفت إليه كما يلتفت العائد إلى ما كان يعرفه دون أن يُحسن تسميته.

خاتمة

الرجوع ليس صعودًا في جهةٍ من الجهات، ولا انتقالًا من مكانٍ إلى مكان، بل تحرّرٌ تدريجيّ من ثقلٍ طال مقامه حتى ظُنّ أنه الأصل.

وحين تخفّ وطأة الجسد، لا تفارقه الروح، لكنها تستردّ ميزانها وتتحرّر من سلطانٍ كان يحجب صفاء توجّهها، فيعود وجهها إلى الجهة التي خُلِقت لها منذ البدء.

هناك لا يكون القرب مسافةً تُقطع، بل صفاءً يرسخ، ولا تكون المعرفة فكرةً تُكتسب، بل حضورًا يتجلّى حين ينخفض الضجيج.

وكأنّ في أعماق الروح علمًا مودَعًا فيها يوم نُفخ فيها من أمر ربّها، ينتظر فقط انحسار العوارض ليظهر.

فإذا استقام الداخل على هذا الصفاء، أدركت الروح أن طريقها لم يكن بحثًا عن غائب، بل عودةً عن تشتّت، وأن معرفتها بربّها لم تبدأ لحظة الذكر، وإنما انكشفت حين خفّ ما كان يحول بينها وبين نورها.

وعندئذٍ لا تعلن بلوغًا، ولا تدّعي وصولًا، بل تسكن إلى قربٍ تعرفه بالفطرة…

كأنها تقول في صمتها: كنتُ هنا، لكنكم لم تفسحوا لي المجال.

✦ مشكاة النبوة

شاركنا رأيك

Scroll to Top