حين يكون الخوف موضعَ البصيرة
في مقام الخوف
المقدّمة
الخوف ليس حالة طارئة في القلب، ولا انكسارًا عارضًا في النفس، ولا اضطرابًا يُعالج بالطمأنينة السريعة.
إنه موضع من مواضع البصيرة، لا يظهر إلا حين يرى القلب ما لم يكن يراه من قبل، وحين يدرك العبد أن القرب ليس ملكًا مكتسبًا، وأن السلامة ليست حالًا دائمة، وأن العمل – مهما استقام في الظاهر – لا يؤمّن صاحبه من الخاتمة ما لم يُصاحبه افتقارٌ دائم وانكسار.
من خاف لأن قلبه اضطرب، فهذا خوف النفس الذي يزول بزوال سببه.
أما من خاف لأن قلبه انكشف على ضعفه وحدوده، فهذا خوف المعرفة، خوف من يقف فجأة على حافة طريقٍ كان يظنه مستقيمًا، فيرى عمقه لأول مرة، فيتباطأ لا تهيّبًا، بل وعيًا.
الخوف ثمرة العلم لا ضعف الإيمان
الخوف لا يسكن القلب بقدر ما فيه من هشاشة، بل بقدر ما فيه من علم بالله.
فكلما ازداد العبد علمًا، قلّ اعتماده على نفسه، واشتدّ حذره من الاطمئنان إلى حاله، لأن العلم يكشف له هشاشة ما كان يظنه ثباتًا.
ولهذا يخاف العارف لا لأنه تائه، بل لأنه يرى الطريق بوضوح، ويعلم أن وضوحه لا يعني السلامة فيه.
يخاف أن يُوكَل إلى عمله، أو إلى فهمه، أو إلى صورته بين الناس، ويعلم أن أخطر ما قد يُبتلى به هو أن يُسلَّم إلى ما يراه صالحًا في نفسه.
ولا يقف هذا الخوف عند حدود العقاب، بل يتجاوزها إلى ما هو أدقّ:
الخوف من الحرمان بعد القرب، ومن الإبعاد بعد الأنس، ومن أن يُسلب ما أُعطي دون أن يشعر.
ومن هنا كان خوف العارفين هيبة لا فزعًا، وانقباضًا يحفظ القلب لا قنوطًا يكسِره، ووقوفًا واعيًا لا انهيارًا.
أثر الخوف في القلب والعقل والجسد
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
الخوف يبدأ في القلب، فإن اعتدل أنار العقل وضبط السلوك، لأن القلب اليقظ لا يسمح للفهم أن يغترّ، ولا للعمل أن يتحوّل إلى عادة.
لكن هذا الخوف نفسه، إن تجاوز حدّه، أرهق الفكر وأتعب الجسد، وإن غاب بالكلية أورث أمنًا كاذبًا لا يشعر به صاحبه.
فالقلب إذا خلا من الخوف سكن سريعًا، وإذا سكن استراح من المحاسبة، وإذا استراح بدأ يبرّر حاله قبل أن يراجعه.
وهنا لا يحتاج العبد إلى معصية ليهلك؛ يكفيه أن يطمئن إلى حاله، وأن يتوقّف عن مساءلة نفسه، كمن يجلس في غرفة ساكنة أُغلقت نوافذها بهدوء، فلا يشعر بنقص الهواء إلا بعد فوات الأوان.
ولهذا قال أهل البصيرة إن معصيةً تُورث ذلًّا وانكسارًا قد تكون أنفع للقلب من طاعةٍ تُورث عزًّا واستكبارًا، لا لأن الذنب محمود، بل لأن أمن النفس أخطر من زلّتها إذا لم تُكسَر.
أما الخوف المحمود، فلا يزعج القلب اضطرابًا، بل يُبقيه متيقظًا، يمنع الغفلة قبل أن تستقرّ، ويحول دون أن يغترّ العقل بما شهده أو فهمه.
الخوف والرجاء ميزان السلوك
الخوف وحده مهلك إذا قاد إلى القنوط، والرجاء وحده مخدّر إذا أورث الأمن.
ولهذا لا يقوم السير إلا بهما معًا، يتعاقبان على القلب، يضبط أحدهما الآخر، فلا يطغى خوف يكسِر، ولا رجاء يُغفل.
فالخائف بحقّ لا ييأس، لأنه يعلم أن الرحمة سابقة،
والراجِي بحقّ لا يأمن، لأنه يعلم أن المكر قائم.
وبين هذين المعنيين يتحرّك القلب السليم، لا ساكنًا ولا مضطربًا، بل حاضرًا، حتى يغيب العبد عن ملاحظة الخوف والرجاء معًا، ويبقى واقفًا في مقام العبودية، لا يرى لنفسه حالًا يُعتمد عليه، ولا وصفًا يُطمئن إليه.
الخاتمة
الخوف ليس مطلوبًا لذاته، بل مطلوب لما يحفظه:
يحفظ القلب من الادّعاء،
ويحفظ العقل من الغرور،
ويحفظ السلوك من أن يتحوّل إلى عادة بلا حياة.
والسائر في الطريق لا يُطلب منه أن يخاف كثيرًا،
بل أن لا يأمن أبدًا من نفسه.
فمن اطمأنّ إلى نفسه لحظة، فقد نام في موضعٍ لا يُؤمَن فيه النوم.
✦ مشكاة النبوة