رحلة روحية إلى جبل العلم

من سرّ سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش إلى أنوار الصحبة

مقدمة

ليست كل الأسفار انتقالًا في الجغرافيا، فبعضها انتقال في البصيرة.

هكذا كانت رحلتنا يوم الجمعة الخامس من دجنبر سنة 2025، حين خرجنا أنا وزوجتي في طريقٍ قادنا لاحقًا إلى طنجة لحضور ليلة روحية للطريقة القادرية البودشيشية،

ليلة السبت السادس من دجنبر، برئاسة شيخ الطريقة سيدي مولاي معاذ،

ورافقنا في الطريق أخي القادم من كندا، مرافقًا لا ساعيًا، حاضرًا بالصحبة وإن لم يكن من أهل السلوك.

غير أن العناية الإلهية رتّبت قبل تلك الليلة وقفة أخرى، وقفة في حضرة أصل من أصول الولاية بالمغرب، مقام سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش بجبل العلم.

المحور الأول: الطريق بوصفه إعدادًا للقاء

انطلقنا من مدينة الدار البيضاء في حدود الثامنة صباحًا، وبلا برنامج واضح ليوم الجمعة، ونحن نحمل رغبة قديمة في زيارة جبل العلم لم يسبق لنا تحقيقها، فتواطأت القلوب على أن يكون التوجّه إليه.

سلكنا طرقًا ثانوية ضيقة، بطيئة المسير، لكنها واسعة الدلالة، يحيط بها جمال طبيعي يفرض على النفس صمتًا لا يُطلب.

كان البطء في الطريق تهيئة خفية، وكأن الوصول إلى مقامات الرجال لا يكون إلا بعد خلع الاستعجال، وإسكات ضجيج الداخل قبل الخارج.

عند وصولنا قُبيل الزوال، ارتفع صوت المؤذن لصلاة الجمعة، فكان ذلك نداءً لا يُؤجَّل.

قصدنا مسجدًا قريبًا، واستمعنا إلى الخطبة، ثم أدينا الصلاة في جو روحاني كثيف، إحساس بالحضور والسكينة، وكأن للمكان سرًّا متوارثًا من سجود الصالحين، لا يزال يفيض على من يرد.

المحور الثاني: جبل العلم وسرّ الولي المستور

بعد الصلاة، صعدنا نحو مقام سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش.

كان الصعود جسديًا وروحيًا في آن واحد، وكأن الطريق لا يكتفي بحمل الأقدام، بل يهيّئ القلوب لما هي مقبلة عليه.

وصلنا إلى مسجد صغير بجانب المقام فصلّينا فيه تحية المسجد، ثم وقفنا أمام بناء شديد البساطة: جدران بيضاء بلا قبة، بلا زخرفة، بلا مظهر تعظيم ظاهر.

ومن نافذة صغيرة تطلّعنا إلى الداخل، فلم نجد قبرًا ولا شاهدًا، بل شجرة عظيمة قائمة في وسط المكان، كأنها تشير إلى موضع القبر دون أن تكشفه، وتدلّ عليه بالحياة لا بالعلامة.

وأمام ذلك المشهد، وقفنا لحظة في سكون، فكان للدعاء نصيبُه؛ دعونا لأنفسنا وأهلينا دعاءً خافتًا لا يُرفع فيه الصوت، بقدر ما تُرفَع فيه القلوب، وكأن المكان يعلّم الزائر أن الطلب هنا يكون بالله، وفي حضرة الصدق.

وحين سألنا عن سرّ هذا البناء، قيل لنا إن سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش أوصى ألا يُبنى على قبره، ولا تُقام له تربة، وقد التُزمت وصيته، رغم ما كان متاحًا من إمكانات لتشييد ضريح يليق بمقامه.

كان ذلك درسًا بالغًا في معنى الولاية: أن يكون العلو في الخفاء، وأن يُقاس الأثر بالأرواح لا بالحجارة.

هنا يتجلّى حال سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش، قطب الغرب وشيخ سيدي أبي الحسن الشاذلي، الذي بلغ ذكره الآفاق، وهو في مقام الخفاء، وعُرف بالأثر وهو بعيد عن الأضواء.

وليٌّ سلّم جوهره لتلميذ واحد، فانتشر النور في الآفاق؛ إذ ليست قيمة الشيخ عند أهل الله في كثرة من ينتسب إليه، بل في عمق ما يُورَث، ولا في عدد الأسماء، بل في صدق الأثر الممتد في القلوب.

المحور الثالث: من مقام الأصل إلى مقام الصحبة الحية

في طريق الصعود، استوقفتنا لوحة رخامية كُتب عليه أن سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش إذا قام إلى الصلاة، صلى خلفه جميع أولياء الأرض، رجالًا ونساء.

ليست العبارة خبرًا تاريخيًا بقدر ما هي إشارة ذوقية إلى مقام الجمع، وإلى ذلك الاصطفاف الروحي الذي تتقدم فيه الأرواح خلف إمامها بإذن الله.

ومع حلول المساء، ونحن في طريقنا إلى طنجة، بدت الزيارة كأنها تمهيد باطني لليلة روحية كبرى، تلك الليلة التي ترأسها شيخ طريقتنا القادرية البودشيشية، سيدي مولاي معاذ.

وكأن القلب انتقل من مقام الولي المستور في جبل العلم، إلى مقام الصحبة الحية مع وارث التربية في زماننا.

ليس بين المقامين تعارض، بل امتداد.

فكما سلّم سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش السرّ لمن يحمله،

كذلك تقوم الطرق الحية على ورثة يجمعون بين الأمانة والتواضع،

بين الاستمرار والتجديد،

في صمت بعيد عن الادعاء،

وقرب صادق من القلوب.

وزاد تلك الليلة بطنجة عمقًا في الدلالة، حضور ثُلّة من الشرفاء العلميين، أحفاد سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش، الذين شاركوا في المجلس الروحي، لا بصفة رسمية، ولا في مقام تصدّر، بل في حضرة الذكر والصحبة.

وكان في ذلك الحضور معنى يتجاوز المشهد الظاهر؛ إذ بدا وكأن السلسلة تعود لتلتئم في صورتها الحية، حيث يحضر أهل النسب في مقام الأصل، لا ليؤكدوا سبقًا، بل ليشهدوا امتدادًا.

ولم يكن الأمر إعلان ولاء ولا طلب بيعة بالمعنى الاصطلاحي، بل كان مشهدًا رمزيًا بالغ الدلالة:

أن الشاذلية، في وجوهها التاريخية والروحية، ممثلة في أحفاد الأصل، تجتمع في زمننا هذا على شيخ جامع، تقوم صحبته على الذكر والتواضع، لا على الدعوى.

وكأن السر الذي خرج من جبل العلم خفيًا، يعود اليوم ليشهد على نفسه، لا بالكلام، بل بالحضور، ولا بالتصدّر، بل بالائتمام المعنوي، حيث تتلاقى الأنساب والأحوال في مقام واحد: مقام الصحبة الصادقة.

الخاتمة

ولم يتبيّن لنا تمامًا معنى تلك الوقفة في جبل العلم إلا لاحقًا،

حين أدركنا أن زيارة مقام الولي المستور لم تكن محطة معزولة،

بل كانت إعدادًا خفيًا للانتقال إلى مقام آخر،

مقام تتجلى فيه أنوار التربية لا في الخلوات،

بل في اجتماع القلوب.

فكما كان السر عند سيدي مولاي عبد السلام بن مشيش واحدًا،

فإن أثره إذا خرج إلى العالم،

لم يخرج إلا في صورة صحبة جامعة،

تحمل من الخفاء صدقه،

ومن الحضور أثره،

وتربط بين الولي الذي اختار الغياب،

والامتداد الذي يقوم على الجمع دون ادعاء.

لم تكن زيارة جبل العلم حدثًا منفصلًا عن ليلة طنجة،

بل كانت بابًا لها.

من مقام الخفاء إلى مقام الصحبة،

ومن وليٍّ غاب جسده وبقي سره،

إلى شيخ حاضر يجمع القلوب على الذكر والمحبة.

خرجنا من تلك الرحلة ونحن نحمل يقينًا هادئًا:

أن من صدق في قصد أهل الله،

ساقه الله من غير ترتيب إلى حيث ينبغي أن يكون،

وربط له بين السلسلة والأثر،

وبين الأصل وما تفرّع عنه امتدادًا حيًا.

تلك هي حكمة الطريق،

وتلك هي بركة الصحبة،

حيث تتلاقى الأرواح عبر القرون،

تحت عين واحدة،

وإذن واحد.

✦ مشكاة النبوة

شاركنا رأيك

Scroll to Top