حين تُسرق الأرواح باسم الله!

في زمنٍ تُثار فيه العواصف على الساسة كلما خانوا الأمانة أو سرقوا المال العام، تنتفض الشعوب مطالبةً بمحاكمتهم، لأنهم خانوا العهد قبل القانون.

قال تعالى:

“إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” (النساء: 58).

فالخيانة ليست سرقة مال فحسب، بل انتهاكٌ لثقةٍ مقدّسة أودعها الله فيهم…

لكن هناك خيانةً أخرى، أخطر وأشدّ عمقًا من خيانة المال، لا تُرى بالعين المجردة، ولا تُلاحقها المحاكم، لأنها تتخفّى في لباس القداسة والولاية.

إنها خيانة الروح باسم الله، حين يتحوّل الشيخ الذي وُجِد ليهدي الناس إلى الله، إلى من يسرق قلوبهم ويستغلّ إخلاصهم ليعيش من أموالهم ويغذّي سلطته الروحية على حسابهم.

المقدمة

ليست كل الخيانة خيانة مال، فبعضها خيانة نورٍ وهداية.

والسياسة حين تفسد، تُهدم بها الدول، أما الروحانية حين تُدنَّس، يُفسَد بها الطريق إلى الله.

قال تعالى:

“ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله” (البقرة: 165).

في هذا المعنى تنكشف خطورة أن يُتَّخذ الشيخ معبودًا من دون الله، أو أن يتحوّل الذكر إلى تجارةٍ، والطريق إلى وسيلة للربح.

المحور الأول: الشيخ الحقيقي والشيخ المتاجر

الشيخ الصادق هو من يدلّك على الله، لا على نفسه.

هو مرآةٌ تعكس النور الإلهي، لا مصباحٌ يتغذى على زيت أتباعه.

أما المتاجر باسم التصوف، فهو من يرى في المريد حسابًا بنكيًا، وفي السجادة فرصةً لصفقة.

قال تعالى:

“يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله” (التوبة: 34).

وهذه الآية تُصوّر بجلاءٍ أولئك الذين لبسوا لباس الدين ليتاجروا به، لا ليخدموا به الخلق.

والأدهى من ذلك، أن بعض هؤلاء جعلوا من الزاوية مشروعًا عائليًا، تتحول فيه الطريقة إلى “شركة روحية” يتقاسم أرباحها الأبناء والأصهار والأقارب، كلٌّ في موقعه.

العائلة كلها ترى في الطريق الصوفي مصدر رزقٍ مضمون، وتتنافس في الدفاع عن هذا الامتياز الدنيوي تحت شعار “خدمة الشيخ” و”نصرة الطريق”، بينما الحقيقة أنها حمايةٌ لمصالحهم الخاصة وتقاسمٌ لـ”الكعكة” التي صنعها جهل المريدين.

المحور الثاني: عبادة الصور وتقديس الأشخاص

في بعض الطرق الصوفية المنحرفة، يُطلب من المريدين أن يرفعوا صور الشيخ في الزوايا، وأن يعتقدوا في قداسته كمنزلةٍ فوق البشر.

بل بلغ الأمر أن يُمنع من مجالس الذكر كل من يُقال إنه خالف العهد مع الشيخ، وكأن الذكر صار ملكًا خاصًا لا يُمنح إلا بإذن الإنسان، لا برحمةِ الله.

هؤلاء المريدون لا يسألون أنفسهم: كيف يُمكن لطريقٍ إلى الله أن يُغلق بوجه من قال لا إله إلا الله؟

وكيف يمكن لشيخٍ عارفٍ بالله أن يرضى أن تُرفع صوره في مواضع الذكر، وكأنها وسيلةٌ للتقرب إليه بدلًا من الله؟

قال تعالى:

“ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها” (الكهف: 49).

فلو تفكر هؤلاء لعلموا أن هذه الممارسات ليست إلا انحرافًا عن روح التصوف النقي، وأن الشيطان قد لبّس عليهم سلوكهم، فظنوا أنهم يخدمون الشيخ وهم في الحقيقة يُبعدون الناس عن الله.

الشيخ الحق لا يطلب التقديس، بل يُعلّم المريد كيف يتحرر من كل عبوديةٍ إلا لله، وكيف يميز بين النور الإلهي والوميض الشيطاني الذي يتستر بثوب الدين.

وكيف يرضى مقدَّمٌ من الزاوية أن يشهد هذا الانحراف ساكتًا، لا يحتجّ ولا يستقيل، وهو الذي عاش مع كبار المشايخ العارفين كسيّدي حمزة وسيّدي جمال، رضي الله عنهما، ورأى بأمّ عينه كيف كانت وجوههم لا تطلب التعظيم بل تُشِعّ تواضعًا ونورًا؟

أليس من الوفاء لتلك المدرسة أن يحفظ صفاءها كما حفظوا هم صفاء الطريق من كل دنسٍ ورياء؟

المحور الثالث: استغلال النية الطيبة وخداع القلوب

المريد غالبًا يأتي إلى الطريق وهو مثقلٌ بالذنوب أو بالحيرة، يبحث عن مرفأٍ للأمان.

فيجد أمامه شيخًا يتحدث عن النور والمحبة، فيسلّم له قلبه قبل عقله.

وهنا يبدأ الخطر، حين يُستغل هذا التسليم الطاهر لتكديس المال، لا لتزكية النفس.

قال تعالى:

“ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام” (البقرة: 204).

فالمظاهر قد تخدع، والكلام قد يسطع كالبرق، لكن ما في القلوب لا يخفى على الله.

الخاتمة

إن الفساد السياسي، مهما كان بشعًا، لا يعدو أن يكون جرحًا في جسد الأمة.

أما الفساد الروحي، فهو جرحٌ في قلبها.

فحين يسرق السياسي المال، ينهب خبز الناس؛ وحين يسرق الشيخ المزيّف النية، ينهب طريقهم إلى الله.

التصوف الأصيل بريء من هؤلاء، فهو مدرسة المحبة والصدق، لا وسيلة للثراء والهيمنة.

قال تعالى:

“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الرعد: 11)

فلا خلاص للأمة ما لم تُطهّر ساحات الروح من المتاجرين بالنور، وتعود إلى صفاء النية، وإلى الله، بلا وسائط ولا أصنام بشرية ولا أكياس نقود.

✦ مشكاة النبوة

شاركنا رأيك

Scroll to Top