زيارة بين وجدة ومداغ… حين يتّسع القلب للسير
مقدمة
اعتدتُ أن أدوّن خواطري يومي الاثنين والخميس، غير أنّ هذا الأسبوع خلا من نشر يوم الاثنين، لا عن غفلة ولا فتور، بل لأن الرحلة إلى وجدة ومداغ ما زالت ساكنة في القلب.
لم أُرِد أن أكتب قبل أن أُمهل نفسي لوصف هذه الزيارة الروحية لسيدي معاذ كما عشتُها، لا كما تُحكى على عجل، فبعض التجارب تحتاج أن تهدأ في الداخل قبل أن تُدوَّن.
وصلنا إلى وجدة مساء يوم الخميس، وكان ذلك المساء مخصّصًا للراحة بعد السفر، وكأن الجسد يُمهِّد لما سيأتي بعده من أيام مليئة بالمعنى.
وكان في هذه الزيارة إلى مداغ بحثٌ داخلي عن إحساس قديم، شعرتُ به أول مرة سنة 1982، وأنا في السادسة عشرة من عمري، حين زرتها في شهر رمضان رفقة والدي وسيدي محمد گنفود رحمه الله، وذلك في حياة سيدي حمزة رضي الله عنه.
وقد تزامن مقامُنا هناك مع أجواء الاعتكاف؛ فأقمنا خمسة عشر يومًا، لا يكاد النوم فيها يتجاوز ساعات قليلة، تمتلئ نهاراتها بتلاوة القرآن وأذكارٍ متنوعة، وتُختم لياليها بمحاضرات لعلماء من المغرب، يعقبها السماع في حضرة سيدي حمزة، إحساسٌ ظلّ ساكنًا في الذاكرة، كأنه ينتظر أن يُستعاد.
لم يكن هذا السفر بين وجدة ومداغ مجرّد انتقال في المكان، بل كان عودةً هادئة إلى معنى الطريق كما عرفه القلب أول مرة، حيث لا يحمل المرء برنامجًا واضحًا، بل يترك نفسه لقيادة الحال.
ومع كل خطوة، كان يتأكد لي أن الذكر إذا حضر، سكن القلب دون استئذان.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
ولعلّ ما يدفعني إلى تثبيت هذه الزيارة بتاريخها، أنّها جاءت في مطلع السنة الجديدة؛ إذ غادرتُ يوم الخميس فاتح يناير 2026، وعدتُ يوم الأحد 4 يناير 2026، وكأن الطريق اختار أن يفتتح العام بحالٍ، لا بخطّة.
مداغ… الوقوف في مقام الشكر
وصلتُ إلى مداغ ظهر الجمعة.
الطريق كان هادئًا، وكأن النفس تتهيأ قبل الوصول، وكان أول ما قصدته ضريح سيدي حمزة وسيدي جمال، رضي الله عنهما.
وقفتُ هناك قليلًا، بلا كلام، أستحضر الشكر فقط، ففي هذا المقام يكون الصمت أصدق من أي عبارة.
في تلك اللحظة، بدا لي الطريق كما هو في حقيقته:
امتدادًا لأعمارٍ بُذلت، وجهودٍ خفيّة، وصدقٍ متواصل.
بعد ذلك، كان لقائي بسيدي معاذ.
ما إن رآني حتى قال:
.«أهلًا سيدي عبد الفتاح، توحّشناك»
كلمات بسيطة، لكنها كسرت مسافة الغياب دفعة واحدة.
جلسنا مع بعض الفقراء في صحبة هادئة، سادها سكونٌ مريح لا عجلة فيه.
توجّهنا بعد ذلك إلى صلاة الجمعة.
كانت الخطبة جامعة، عميقة، كأنها تُعيد ترتيب المعاني داخل النفس، وتذكّر بأن هذا الطريق قائم على العلم، والصدق، وحسن الاتباع، كما كان حال الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه.
وخلال تلك اللحظات، ظهر عارضٌ عابر في الظاهر، كأن شيئًا حاول أن يشوّش سكينة المكان، غير أنّه ما لبث أن تلاشى مع دخول الشيخ للصلاة.
بقي الصفّ قائمًا، وبقيت الجمعة على حالها، هادئةً كما هي، وكأن المقصود إذا حضر، زال ما عداه دون ضجيج أو أثر.
بعد الصلاة، التحق بنا سيدي الواسيني المجذوب بعد غياب.
كانت كلماته قليلة، لكنها جاءت في موضعها، تصف الواقع كما هو، دون تزيين أو مبالغة إذ قال واصفا حال الطريق: “خليها على الله.”
الذكر والصحبة… حين يتربّى القلب بصمت
في مساء ذلك اليوم بوجدة، وبعد صلاة العشاء، قصدتُ بيت سيدي معاذ لحضور مجلس الذكر.
اجتمع الفقراء من مدن مختلفة، وكلٌّ جاء بما يحمله من تعب الأيام.
مع بداية اللطيف، شعرتُ أن النفس بدأت تضع أثقالها بهدوء.
تتابعت الأذكار، وامتدّ الليل، وغاب الإحساس بالزمن، في ذكرٍ يعيد للقلب توازنه.
عند حضور الشيخ، تغيّر الجوّ دون إعلان.
ثم انفتح حديث هادئ حول التصوف وما يتعلّق به.
لم يكن الكلام كثيرًا، لكنه كان مباشرًا، يضع المعاني في مواضعها دون التفاف.
خرجتُ قبيل الفجر، وأنا أشعر أن شيئًا في الداخل قد استقرّ، دون حاجة إلى تفسير.
في اليوم الموالي، يوم السبت، وبعد صلاة العصر، أوصلتُ زوجتي إلى بيت سيدي معاذ لحضور اجتماع الفقيرات الذي انطلق قرابة الخامسة مساءً.
كان من تمام نعمة هذه الزيارة أن تعيش زوجتي بدورها معنى الصحبة في هذا الاجتماع، فظهر أثر الطريق بهدوء، لا في المجالس وحدها، بل ممتدًّا إلى البيت من حيث السكينة والاتزان، دون ادّعاء مقام أو خروج عن بساطة العيش اليومي.
بعد ذلك، توجّهتُ إلى مداغ لحضور الليلة الأسبوعية.
وصلتُ قبيل الغروب، وكانت زيارتي لضريح سيدي حمزة وسيدي جمال وقفة دعاء صامت، دعوتُ فيها لأهلي وأسرتي، وأنا أستحضر أن الطريق لا يُثمر في القلب وحده، بل يمتدّ أثره إلى من نحبّ.
ثم اجتمعنا في بيت الشيخ في انتظار هادئ، قبل أن نتوجّه ليلًا إلى الضريح.
كانت ليلة سماع وحضرة، تحرّكت فيها القلوب قبل الأجساد، دون تكلّف أو تصنّع.
وكان مما لفت انتباهي في ليلتي الجمعة والسبت كثرة الحضور، رغم أنّه لم تكن هناك مناسبة خاصة.
الناس جاءت بهدوء، دون دعوة ولا إعلان، وكأن القلوب كانت تُساق إلى هذا الموضع سوقًا لطيفًا.
ومع مرور الساعات، ازداد الجمع، وجوه مختلفة، أعمار متباينة، لكن قصدًا واحدًا.
بدا لي أن الأمر لا يتعلّق بحدث، بل بأثر، ولا بزمان، بل بحال.
يومًا بعد يوم، يلتحق مريدون جدد بسيدي معاذ، لا بدافع ادّعاء ولا بحث عن اسم، بل استجابةً لما يجدونه في صحبتِه من طمأنينة وصدقٍ.
فالطريق حين يكون حيًّا، يتكفّل بنفسه بمن يدلّ عليه، دون حاجة إلى تعريف أو إشارة.
أعقب ذلك كلام لسيدي إسماعيل، تناول فيه واقع الشيخ في طريق السلوك، وكيف يكون في الغالب مُبتلًى، لا سيما من أقرب الناس إليه، وأن الشيخ الحقيقي لا يحتاج إلى تزكية من أحد، ولا إلى اعتراف أو توقيع يُثبت مقامه، لأنه قائم بثقته في الله وحده.
لا يدّعي شيئًا لنفسه، ولا يقدّمها للناس، بل يترك أثره يتحدّث عنه، ويترك للآخرين أن يعبّروا عمّا يجدونه في صحبتِه وما يشعرون به في حضرته.
أتيتُ لقاضي الحب قلتُ أحبّتي *** جفوني وقالوا أنت في الحب مُدّعي
وعندي شهودٌ للصبابةِ والأسى *** يزكّون دعواي إذا جئتُ أدّعي
ومع تقدّم الليل، حان وقت الوداع، وداعٌ هادئ يختصره الامتنان أكثر مما تختصره الكلمات.
ما بعد الزيارة… حين يعود الجسد ويبقى الأثر
عدنا يوم الأحد إلى الدار البيضاء.
العودة جاءت على مهل، بلا استعجال.
شعرتُ بخفّة في الروح، وطمأنينة لا تحتاج إلى شرح.
لم يكن هناك إحساس بالانقطاع، بل استمرارٌ مختلف.
وقبيل العودة يوم الأحد، حرصتُ أن أكتب رسالة لإخوتي المريدين الذين أحاطوني بالمحبّة والصدق، فكان لحسن صحبتهم أثرٌ واضح في ما حملته هذه الزيارة من طمأنينة وامتنان. وأما سيدي معاذ، فمهما قيل في الشكر يظلّ قاصرًا، لأن ما يُعطى في صمت لا تُحيط به العبارة، ولا يبلغه الامتنان.
صبيحة الاثنين، عدتُ إلى حياتي اليومية، إلى عملي في الجامعة ومراقبة الامتحانات.
كل شيء بدا عاديًا من الخارج، لكن الداخل كان أكثر صفاء.
كان الجسد في مكانه، بينما القلب ما زال يستعيد تلك اللحظات بين وجدة ومداغ ولسان حاله يقول:
أُحبُّ لِقاءَ الأحبابِ في كلِّ ساعةٍ*** لأنَّ لِقاءَ الأحبابِ فيه المنافعُ
أيا قُرَّةَ العيونِ تاللهِ إنني *** على عهدِكم باقٍ وفي الوصلِ طامعُ
عندها تبيّن لي أن الزيارة الحقيقية لا تنتهي بالرجوع، بل تبدأ بعده، حين يُختبر ما حُمِل في تفاصيل الحياة البسيطة.
خاتمة
علّمتني هذه الزيارة أن الطريق ليس خروجًا من الدنيا، بل حضورًا أصدق فيها.
وأن الصحبة نعمة، وأن الذكر حياة، وأن بعض المعاني لا تُقال، بل تُعاش.
وإذا فتح الله باب الزيارة، فإنما يفتح معه باب لطفٍ لا يُدرك إلا بالتجربة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
✦ مشكاة النبوة