حين يصبح العبور ضرورة، في دلالة ما بعد ليلة الذكرى بمداغ

ملاحظة للقارئ

هذا النص لم يُكتب على هيئة محاور، لأن معناه لا يُفهم بالتقطيع، بل بالعبور. هو مسار واحد يحتاج أن يُقرأ بوصفه نفسًا متصلًا، لا أفكارًا مفصولة.

في البدايات، حين كان الجرح طريًّا والدهشة غالبة، خرجت كتاباتنا من حرارة الانفعال، تحت وقع صدمة الفقد، وارتباك الطريق بعد رحيل سيدي جمال.

ورغم وجود وصية تُعيِّن شيخًا للمقام، لم تكن القلوب مطمئنّة، إذ شعرت بأن المسؤولية قد آلت إلى من لم تنعقد له في الباطن أهليةُ الحمل ولا سكينةُ المقام.

كنّا نواجه ما وقع وكأن الكلمة قادرة، في لحظة غضبٍ صادق، أن تغيّر موازين استقرّت عبر سنين.

لم نكن نخاصم الأشخاص بقدر ما كنّا نخاصم الصدمة، ونحاول أن نردّ بها عن قلوبنا ثِقل الفقد وارتباك المعنى.

ثم شيئًا فشيئًا تغيّر موضع القصد.

وجدتني أكتب لا لمواجهة أحد، بل لأجل إخوتي، مريدي سيدي مُعاذ، أولئك الذين وجدوا أنفسهم في فراغٍ داخلي لا تملؤه البيانات ولا الشعارات.

كانت الكتابة آنذاك محاولة لفتح فضاءٍ يتّسع لأسئلتهم، ويمنحهم لغةً يعيشون بها الفقد دون إنكار، ويواصلون السير دون أن يُجبروا على استعجال ما لا يُستعجل.

ومع الوقت، تبيّن لي أن انحسار أثر الشيخ المعيَّن في الوصية لا يقع في أيام، ولا يُحسم في أشهر.

هو زلزالٌ في الباطن، وإعادة تشكّل بطيئة للقلوب، لا تُدار بالعجلة ولا تُعالَج بالصخب.

عندها صرت في غنى عن متابعة ما يفعله الطرف الآخر، ما دام منشغلًا بنفسه، إلا حين يتجاوز الأمر حدَّه ويقع في أخطاءٍ فاضحة، كانتهاك حرمة المسجد، فهناك لا يسع القلب أن يسكت.

وفي هذا المنعطف، صار واضحًا أن المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيدًا من التشظّي ولا استنزاف القلوب في احتكاكات جانبية.

حين تتجاور قراءات مختلفة للطريق، وتتحرّك النفوس من مواقع متقابلة، تكثر الحساسيّات ويضيق المجال عن المقصود.

لذلك بدا لي أن الأولويّة اليوم ليست في الردّ ولا في الجدل، بل في تحصين المحيط، وحفظ السكينة حول الشيخ، حتى يأمن الطريق من الاضطراب، ويأمن السالكون من التنازع.

فالمطلوب من الإخوة أن ينصرفوا إلى العمل، وأن يُعيدوا توجيه طاقتهم إلى ما يُحيي المعنى ويُظهر جمال الطريق، كما كان يومًا يشعّ بالفعل والخلق والخدمة، لا بالصوت والاصطفاف.

وأخيرًا، استقرّ عزمي على أن أسير في طريقي مع إخوتي، في هدوءٍ وصدق، إكرامًا لطريق سيدي مُعاذ، وحفظًا لمعناه فينا، ونحن على وعيٍ كامل بأن تهاوي الباطل لا يقع بضربة واحدة، وأن ما بُني على زمن لا ينهار إلا بزمن.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا حين تلوح ملامح مرحلة جديدة في الأفق، مرحلة يُعاد فيها ترتيب المسؤوليات، وتستدعى فيها قيم العمل والانسجام بدل الانفعال وردود الفعل.

فحين ينتقل الطريق من زمن الارتباك إلى زمن البناء، يصبح التعلّق بالمرحلة الأولى عبئًا لا وفاءً، ويغدو تجاوزها شرطًا لحفظ المعنى لا خيانة له.

لذلك لم يعد كافيًا أن نُحسن التبرير، بل صار واجبًا أن نُحسن الفعل، وأن نواكب ما يُفتح أمامنا من إمكانات بهدوء ومسؤولية.

فتركتُ بعض الأمور لسنّة الوقت، لا عجزًا ولا هروبًا، بل ثقةً بأن الله يدبّر، وأن الطريق لا يُصان بكثرة الخصام، بل بثبات السائرين.

ويبقى ما أراه أخطر من كل مواجهة ظاهرة: أن يظلّ السالك أسير المرحلة الأولى.

فالإقامة في زمن الصدمة، وتكرار لغة الجرح الأولى، قد يبدأ غيرةً صادقة، ثم يتحوّل خفيةً إلى فخٍّ يستنزف الروح ويحبسها عند لحظة لم تعد هي موضع الطلب.

المرحلة الأولى ضرورة عابرة لا مقام إقامة، ومن لم يغادرها في وقتها، غادرته البصيرة وهو لا يشعر.

والطريق لا يُراد من أهله أن يطيلوا الوقوف عند الألم، بل أن يعبروا به، وإلا صار الألم نفسه حجابًا عن المقصود.

هذا ما وقر في القلب، أحببت أن أضعه بين أيديكم على بصيرة، والله يتولّى السرائر والختام.

✦ مشكاة النبوة

شاركنا رأيك

Scroll to Top