الشيخ المربّي بين الحقيقة والادعاء

مقدمة

لم تكن الطريق إلى الله يومًا ميدانًا مفتوحًا لمن أراد الظهور، ولا مرتبة تُنال بالادعاء أو الألقاب، بل هي مقام تثبته الاستقامة قبل الخطاب، وتشهد به الأعمال قبل الكلمات.

فالتربية الروحية ليست وظيفة يورثها السند، ولا رتبة تُكتسب بالانتساب، وإنما هي صدق مع الله، يزكّي النفس قبل أن يوجّه غيرها، ويجاهد الهوى قبل أن يطالب المريدين بالمجاهدة.

وفي زمن اختلطت فيه المراتب بالمسميات، وارتفع فيه صوت الدعوى أكثر من صوت العمل، أصبح لزامًا الرجوع إلى الميزان القرآني الذي لا يتبدّل، لنفرّق بين الشيخ الذي يهدي بالفعل، ومن لا يملك من التربية إلا مظهرها.

فالقرآن لم يزن الناس بما يقولون، بل بما يقدمون، إذ قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، فجعل الشاهد على الحقيقة هو الأثر، لا الادعاء.

ومن هنا ينطلق هذا الحديث، لا للطعن في الأشخاص، بل لتصحيح المفاهيم؛ لأن مقام التربية أخطر من أن يُسلَّم لكل من لبس لباسه، أو رفع لافتته، أو نال تزكية ورقية لا يشهد لها السلوك. فالمجال مجال قلوب، لا شعارات، وأمانة طريق لا يحتمل التزوير.

المحور الأول: الادعاء لا يصنع شيخًا

كثيرون يرفعون شعار التربية، وينسبون لأنفسهم مقامات السلوك، ويجعلون الألقاب والوصايا الروحية المكتوبة دليلًا على أهليتهم للقيادة، غير أن القرآن ينسف هذه الحجة من أصلها حين يفصل بين القول والعمل، فيقول تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. فالادعاء مهما ارتفع صوته، ينهار عند أول امتحان للصدق العملي.

فالشيخ الحق ليس من يعرف بكثرة مريديه، ولا من يعلو صوته في المجالس، ولا من يبرز بلباسه، بل من يشهد له سلوكه قبل كلماته.

ومن تصدّر للتربية بلا جهاد نفس، ولا التزام بشريعة ظاهرة، ولا أثر يُرى في خلقه وعمله، فهو كالسفينة التي ترفع الرايات ولا تملك دفة الاتجاه. فالمقام لا يُنال بالتصدر، بل بالتحقق، ولا بالخطاب، بل بالعبودية، لأن التربية في جوهرها أثرٌ يُشاهَد، لا صورة تُعرَض.

المحور الثاني: معيار التربية في القرآن

لا يجعل القرآن الهداية مقامًا يُنال بالوراثة أو الشهرة أو النسب، ولا يجعل الإمامة الروحية مرتبطة بالعلم النظري وحده، بل يربطها بشرط جامع هو التقوى مقرونة بالعمل، إذ قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.

فالقيادة في الطريق ليست منصبًا يمنح، بل أثرًا يخلّفه السير الصادق، لأن التقوى لا تُقاس بالأقوال، بل بثمرة السلوك.

فالشيخ الحق هو الذي يكون أول العاملين بما يدعو إليه، وأسبق الناس إلى الطاعة إذا حضرت، وأشدهم ثباتًا عند الفتنة، لا من يتوارى خلف المريدين فيما يطالب به غيره.

والإمام الصادق لا يتقدّم ليُرى، بل يتقدّم لأنه سلك، فإذا التفتّ خلفه رأيت من تبع على نور، لا على تقليد أعمى.

فالقرآن لا يكتفي بوصف الشيخ وصفًا نظريًا، بل يربطه بمنزلة القدوة بالفعل؛ أي من يجعل الطريق واضحًا بحاله قبل كلامه، فإذا غاب جسده بقي منهجه حيًّا، وإذا مات بقي الأثر الذي يزكّي النفوس لا الشخص الذي حمله.

المحور الثالث: بين الكرامة والسلوك — لماذا لا تكفي الخوارق؟

ينخدع كثير من الناس بالمظاهر الخارقة، فإذا رأوا كرامة أو أمرًا خارجًا عن المألوف، ظنّوا أن صاحبها ولي كامل، مع أن القرآن لا يجعل الكرامة ميزان قرب، بل يجعل الاستقامة أساس التفاضل، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالخوارق قد تُعطى امتحانًا، وقد تكون استدراجًا، أما التقوى فلا تكون إلا بنور صادق لا يزول.

فالكرامة تدهش الأبصار، لكنها لا تزكّي القلوب، ولا تخرج النفس من هواها، ولا تجعل صاحبها مربّيًا بالضرورة. ولو كانت الخوارق دليل ولاية، لكان السحرة أولياء، وقد قلبوا العصيّ ثعابين، لكنهم لم يملكوا من الطاعة ولا من نور الحق شيئًا. إنما الولاية أن يشهد لك الله قبل خلقه، وأن يصدق باطنك ظاهرك، وأن يكون عملك سر دعوتك لا مظهرها.

فالتربية لا تقوم على الإبهار، بل على الإصلاح، ولا على ما يدهش الناس، بل على ما ينهض بهم. ومن جعل الكرامة معيارًا، ضلّ عن الطريق منذ بدايته، لأن الطريق لا يُقاس بما يُرى على اليد، بل بما يُثمر في القلب.

المحور الرابع: الوصيّة والإجازة.. بين مشروعيتها وحدودها

يتعلق بعض الناس بما يسمى الوصيّة أو الإجازة أو التزكية المكتوبة، ويظنون أن مجرد حمل وثيقة كافٍ لنقل صاحبها إلى مقام التربية، مع أن القرآن يحذر من الاكتفاء بالانتساب دون تحقق، كما قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. فالمشكلة ليست في الوثيقة، بل في غياب أثرها.

قد تكون الوصيّة صحيحة في سندها، لكنها لا تشهد لصاحبها ما لم يشهد له عمله، لأن مقام التربية ليس امتيازًا يورث، بل ثمرة مجاهدة يزكّيها الله.

فالشيخ الحق لا ينهض بتزكية شيخه وحدها، بل بختم الله على سلوكه، إذ لا تكفي الشهادة المكتوبة ما لم تثمر استقامة ظاهرة، وصدقًا ثابتًا، ونصحًا لا يتبدّل مع المصالح والخوف.

فالوثيقة ليست إلا دليل إمكانية، أما أهلية التربية فتنكشف في الثبات على الحق، وفي حمل الشريعة في القول والعمل، وفي كون الشيخ طريقًا إلى الله لا حجابًا عنه. ومن اعتمد على الوصيّة وحدها، فقد حمل الورق، ولم يحمل الأمانة.

المحور الخامس: أصناف المريدين ومعيار التمييز بين الشيوخ

ليس المريدون سواء في موقفهم من الشيخ، ولا في ميزانهم للحقيقة، فمنهم من يسلّم للظاهر، ومنهم من يطلب الباطن، ومنهم من يجمع بين نور الشريعة وبصيرة السلوك، فيعرف الطريق بصاحبه، لا صاحبه بالطريق.

مريد يكتفي بالوثيقة، يكفيه أن يرى وصيّة مكتوبة أو ختمًا ورقيًا، فيسلّم قلبه قبل أن يختبر أثر الشيخ عليه. فهو يجعل الدليل خارجيًا لا قلبيًا، ويقيس الهداية بالشهادة لا بالتحقق.

مريد لا يرضى إلا بالكرامة، لا يستقرّ قلبه حتى يرى خارق عادة أو أمرًا مدهشًا، وكأن الطريق إلى الله لا يُفتح إلا بالعجيب، مع أن الدهشة لا تزكّي النفس، ولا تعدّ معيارًا للولاية.

مريد تربّى على نور الشريعة، لا يصدّق الشيخ إلا بقدر صدقه مع الله، ولا يقيسه بالخوارق ولا بالمديح، بل بالاستقامة، وترك المحرمات، وتعظيم الفرائض.

وهذا الصنف هو الذي يحفظ الطريق من الانحراف، لأنه يجعل البرهان في السلوك، لا في الصورة.

وهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا﴾؛ أي نورًا يميّزون به الحق من الادعاء، ولو مات الشيخ بقي المنهج، ولو غابت الأسماء بقيت الاستقامة دليلًا.

فالمريد الحق لا يطلب رجلًا يتبعه، بل طريقًا يسلكه، ويجعل الشيخ بابًا لا جدارًا، وجسرًا لا غاية.

خاتمة

ليست الطريق إلى الله طريق هيبة ظاهرية، ولا رتبة ترفع صاحبها فوق الناس، ولا مقامًا تمنحه الأوراق أو الألقاب أو الخوارق. إنما هي صدق في السير، وثبات عند الامتحان، وتعظيم لحق الله في الخلوة والجلوة، لا يتبدّل مع تغير المقامات ولا مع تقلب الأحوال.

ومن ادّعى مقام التربية بلا ورع، ولا عمل، ولا وفاء لميزان الشريعة، فقد أضرّ بنفسه قبل أن يضلّ من اتّبعه؛ لأن الله لا يرضى عن حديث جميل لا يشهده عمل صادق، ولا عن دعوى يكذّبها السلوك. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.

فالشيخ الحق هو من دلّ على الله لا على نفسه، ومن جعل الناس أقرب إلى ربهم لا إلى صورته، ومن بقي أثره بعد غيابه لأن التربية التي نقلها لم تكن ملكًا للسانه، بل ثمرة حاله وسلوكه.

ومن طلب الحق بصدق، ووازن بين العلم والعمل، والشريعة والطريق، وجد أن الحقيقة لا تحتاج كثرة الكلام، بل صفاء القلب، وأن الولاية لا تؤخذ بالتعلق بالرجال، بل بتحقق العبد بعبوديته لله.

✦ مشكاة النبوة

شاركنا رأيك

Scroll to Top