أبو يعزى يلنّور: وليّ الأمّيين وكرامات الجبل

راعٍ أمازيغيّ لا يقرأ ولا يكتب، تخرّج على يديه سيدي أبو مدين الغوث، أحد كبار شيوخ التصوّف الإسلامي

في جبلٍ وعرٍ من الأطلس المتوسّط، بين أبي الجعد وخنيفرة، يرقد رجلٌ لم يكن يُحسن العربية، ولا يحفظ من القرآن إلا الفاتحة وقصار السّور، ومع ذلك ظلّ قروناً قبلةً تُشدّ إليه الرحال. إنه أبو يعزى يلنّور، الذي عرفه المغاربة باسم «مولاي بوعزّة»، وقال في حقّه تلميذُه أبو مدين الغوث: «رأيت أخبار الصالحين من زمن أويس القرني إلى زماننا، فما رأيت أعجب من أخبار أبي يعزى». فمن هذا الأمّيّ الذي علّم العلماء؟

من راعي الغنم إلى سائح القفار

وُلد أبو يعزى يلنّور بن ميمون الهَزْميري في أواخر العهد المرابطي، من بني صبيح بقبيلة هسكورة قرب دمنات، بربريّاً مصموديّاً. رعى الغنم صبيّاً ثم غادر بلده هائماً يطلب رزقاً، فكانت أولَ هجرةٍ من طلب الدنيا إلى طلب الله. قضى خمس عشرة سنة سائحاً في البراري لا يأوي إلى عمران، يتقوّت بنبات الأرض. وعاش مجهولاً بأسماء التواضع: «بوكرتيل» أي صاحب الحصير، ثم «أبي ولنكوط» وهو نبتٌ زهيد لا يأكله أحد؛ فكأنّه أراد أن يمحو اسمه قبل أن يُثبته النور.

الأمّيّ الذي يصحّح تلاوة العلماء

لم يكن صاحب علمٍ ولا فقه، أمّيّاً لا يحفظ إلا الفاتحة والمعوّذتين، ومع ذلك كان يردّ على من يُخطئ في تلاوة القرآن فيصحّحه. وفي المفارقة درسٌ عميق: أنّ علم الولاية ذوقٌ قلبيٌّ يُوهَب، يكمّل أحكام الشريعة ولا ينتقص منها. خدم نحو أربعين وليّاً من أولياء عصره، وكان أبرز شيوخه أبو شعيب أيوب الصنهاجي «مولاي بوشعيب السارية». ومن أبلغ ما رُوي عن تربيته على الخدمة أنه تولّى ليلاً أعمال بيت شيخه بأزمور سرّاً؛ فلمّا تفقّدته زوجة الشيخ ليلةً رأت — بحسب «التشوف» — رحى القمح تدور وحدها وهو قائمٌ في صلاته، فأقسمت ألا تكلّفه شيئاً بعدها، فقال متحسّراً: «هلا تركتني أخدمها!». فالأمّية عنده لم تكن نقصاً، بل خلوّاً من كلّ شاغلٍ سوى المخدوم.

كرامات الجبل

تواترت أخباره حتى دوّنها أربعةٌ من المصنّفين: ابن الزيات في «التشوف»، والتميمي في «المستفاد»، والعزفي في «دعامة اليقين»، والصومعي في «المعزى». فمن إبراء المرضى إلى انقياد الوحوش؛ حُكي أنّ جماعةً جاؤوا منكِرين عليه فوثب أسدٌ على دوابّهم، فصاح عليه وجذبه وقال لأصحابه: «اركبوه»، ففرّوا. لكنّ أصدق كراماته تواضعه؛ شكا إليه الناس احتباس المطر فكشف رأسه متضرّعاً: «يا مولاي، ما قدري أنا حتى يُطلب مني المطر؟»، ثم بكى فأنزل الله الغيث. إنّ الولاية عنده افتقارٌ لا استكبار، ومنه نفهم قوله تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

ويشهد له ابن عربي بالفراسة: «كان إذا أذنب أحدٌ ثم دخل عليه رأى العضو الذي منه العمل مخطّطاً تخطيطاً أسود»، ومع ذلك أُمر بالسّتر لا بالفضح.

حجّ الفقير: حين صار الكرمُ عبادة

ولم يكن عابداً منعزلاً، بل مائدةً مفتوحة؛ يقول التادلي: «كان الناس يأتونه من كلّ بلدٍ فيطعمهم ويعلف دوابّهم». ومن رحم هذا الكرم وُلدت ظاهرةٌ مغربية أصيلة عُرفت بـ«حجّ الفقير»: إذ صار قصدُ ضريحه تعويضاً رمزيّاً لمن عجز عن حجّ البيت من الفقراء، وصار البذلُ طريقاً إلى الله كالذكر والصلاة.

أبو يعزى في نظر المؤرّخين

وقد قرأ مؤرّخون معاصرون، كمحمد المنوني وأحمد التوفيق، شخصيّته من زاويةٍ اجتماعية، فميّزوا بين التاريخ التوثيقي وأدب المناقب: فالكرامة عندهم وثيقةٌ لفهم المخيال الديني ووظائف الولاية في المغرب الوسيط، لا موضوعٌ للإثبات أو النفي. يقول التوفيق إنّ المؤرّخ ليس مطالَباً بإثبات الكرامة، بل بدراسة أثرها في المجتمع والتاريخ.

في الختام: نورٌ من جبال المغرب

توفّي أبو يعزى في أوّل شوّال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وقد ناهز المئة والثلاثين، ودُفن بجبل إيروجان حيث ما يزال ضريحه يحمل اسمه. ولأنّ الإنصاف من تمام السيرة، يبقى كثيرٌ من تفاصيل حياته في ظلال الغموض، بينما حفظت المناقب صورته الروحية في الذاكرة المغربية. ويبقى معناه الأكبر: أنّ السماء لا تنظر إلى الحرف بقدر ما تنظر إلى القلب، وأنّ راعياً أمّيّاً من جبلٍ منسيّ صار مدرسةً تخرّج منها قطبٌ كسيدي أبي مدين الغوث، الذي تعلّق به ابن عربي روحيّاً ونهل من مدرسته. وفي هذا وحده ما يكفي لنفهم لماذا ظلّ المغرب يُعرف بـ«بلاد الأولياء والصالحين».

عبد الفتاح العقيلي، الدار البيضاء

المصادر والإحالات

١. شهادة أبي مدين الغوث، وأسماء التواضع («بوكرتيل» و«أبو ولنكوط»)، وخدمة الشيخ بأزمور (حادثة الرحى)، وخبر الأسد: ابن الزيات التادلي، «التشوف إلى رجال التصوف»، تحقيق أحمد التوفيق (منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط)، ترجمة أبي يعزى رقم 77.

٢. خبر الاستسقاء («ما قدري أنا حتى يُطلب مني المطر»): التميمي، «المستفاد في مناقب العبّاد»، تحقيق محمد الشريف (كلية الآداب، تطوان).

٣. أسماء التواضع، وقول ابن عربي في الفراسة («مخططاً تخطيطاً أسود») المنقول عنه: الكتّاني، «سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس» (دار الثقافة، الدار البيضاء)، 1/186–187، والفراسة في 1/187.

٤. مصنّفات المناقب المذكورة في المقال أيضاً: العزفي، «دعامة اليقين في زعامة المتقين»؛ والصومعي، «المعزى في مناقب أبي يعزى».

٥. الآية الكريمة: سورة يونس، الآية 62.

٦. الإطار التاريخي: أحمد التوفيق (مقدّمة تحقيق «التشوف»)، ومحمد المنوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top