
رجال النور — سلسلة في أعلام التصوّف المغربي
أبو العباس السبتي: الفقيه الذي حكَم مراكش بالصدقة
«صاحب الصدقة» الذي قال فيه ابن رشد: «الوجود ينفعل بالجود»
عرف التصوف عُبّادًا طلبوا القرب من الله في العزلة والصيام. لكن التصوف المغربي يقدم نموذجا معاكسا: رجل لم يطلب القرب في الانقطاع، بل في البذل والانغماس في هموم المحرومين، حتى صار العطاء عنده عبادة. إنه أبو العباس أحمد بن جعفر الخزرجي السبتي (٥٢٤–٦٠١هـ)، أكبر أولياء مراكش، وكان فقيها مالكيا من الطراز الأول قبل أن يكون «صاحب صدقة». فكيف تحول «الجود» عنده من فضيلة خلقية إلى قانون يُفسَّر به الوجود؟
من حياكة سبتة إلى خلوة الجبل
وُلِد بسبتة في أسرة طحنها الفقر، فأسلمته أمه إلى ورشة حياكة، لكنه آثر مجلس شيخه أبي عبد الله الفخار يأخذ عنه القرآن والفقه. وفي نحو السادسة عشرة قصد مراكش رفقة وصيفه مسعود الحاج، فاعتزل في جبل جليز المطل عليها. تذكر المناقب أنه لبث في خلوته نحو أربعين سنة، وهو رقم يُروى على جهة التعظيم. وأكثر سيرته وصلنا عبر أدب المناقب، فيلزم تمييز نواتها التاريخية من حلى الحكاية.
مذهب الجود: حين «ينفعل الوجود»
ومع أنه عاصر كبار شيوخ التصوف، لم يُعرف له شيخ في الطريق؛ فلم يؤسس زاوية ذكر، بل أرسى باجتهاده «مذهب الجود». وأصله جملة كان يرددها: «أصل كل خير الإحسان، وأصل كل شر الشُّحّ». بناه على المقابلة: رحمة العبد تستنزل رحمة الرحيم. ورتّب الإحسان مراتب صاعدة: المُشاطرة، ثم الإحسان، ثم شكر النعمة، ووظّف علم الحساب في توزيع الصدقات. وكان يقول لطالب الحاجة: «تصدق تصل إلى ما تريد»؛ وأصله القرآني صريح في قوله تعالى:
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: ٣٩)
وممّا تناقلته كتب المناقب أن ابن رشد الحفيد لخّص مذهبه فقال: «هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود»؛ فنقل التصوف من حال وجداني إلى قانون يُعايَن أثره في العمران.
الفقيه الذي وعظ في الأسواق
لم يكن درويشا عاميا، بل حاز رئاسة الفقه في وقته، لكنه آثر منبر الطريق على حلقة المسجد، يجوب الأسواق داعيا إلى «المتاجرة مع الله»، حتى دعاه المنصور الموحدي إلى المدينة وحبّس عليه دارا ومدرسة وتأدب معه كالخادم. ومن أصدق ما يجسد مذهبه أنه أمر صاحبه الصنهاجي يوم عَرَفة أن يتصدق بسبعة دراهم ثم يركع، فسمّاه «قُرْآنًا» لأنه قرن الصدقة بالصلاة. ومنهج المؤرخ ألا يثبت الكرامة أو ينفيها، بل يقرأ أثرها في بناء ضمير تضامني.
شهادة ابن عربي: مقام الصدقة وحدّه
قدم الشيخ الأكبر ابن عربي مراكش سنة ٥٩٧هـ فلقي السبتي وسمّاه «صاحب الصدقة»، وعدّه ممّن يستجيب الله دعاءهم بالصدقة. لكنه لم يقف عند المدح: فقد أخبره السبتي أن الله ادّخر له «رُبع درهم» للآخرة — أي أنه أبقى جزءا من سِرّه ليوم القيامة — ورأى أن مقامه، مع علوّه، دون الأكمل، وهو أن يُعطى العبد مراده بلا سؤال. وهي شهادة مزدوجة: عظمة لها حد يعرفه أهل التحقيق.
من الولي إلى «سبعة رجال»
أنشأ في حياته جهازا منظما لرعاية المساكين والعميان وذوي العاهات، صار نواة لعمل زاويته بعده. توفي بمراكش سنة ٦٠١هـ ودُفن قرب باب تاغزوت، فظل ضريحه مؤسسة إطعام ورعاية، ثم شيّد له السعدي أبو فارس ضريحا فخما سنة ١٦٠٥م. وينبغي التمييز بين صورتين للرجل: السبتي كما تُثبته السيرة المحقَّقة، رجلَ الفقه والتكافل في التاريخ، والسبتي كما رسمته الذاكرة الشعبية، وليَّ بركة ورزق في المخيال. حتى عدُّه من «سبعة رجال مراكش» جاء متأخرا، إذ لم تُنظَّم زيارة السبعة إلا أواخر القرن السابع عشر زمن المولى إسماعيل، ورتّبها الحسن اليوسي على أساس جغرافي يتبع أبواب المدينة، لا بحسب المنزلة الروحية أو الأسبقية الزمنية.
في الختام
يبقى من أبي العباس السبتي أنه أسس «تصوف العمل» لا تصوف القعود، وجعل التكافل بين الناس روحا للدين. لكن الإنصاف يأبى أن نقرأه ساحر بركة تُشترى بها الأرزاق؛ فالذي علّم الناس أن «الوجود ينفعل بالجود» إنما دعا إلى إحسان خالص لوجه الله، لا إلى تعويذة لجلب الرزق. وبهذا المعنى وحده يستحق أن يبقى «سلطان مراكش» الذي مَلَك القلوب بلا عرش.
المصادر والإحالات
١. ابن الزيّات التادلي، «أخبار أبي العباس السبتي» (الملحق بكتاب «التشوّف إلى رجال التصوّف»)، تحقيق أحمد التوفيق، الرباط — مصدر مقولة ابن رشد «الوجود ينفعل بالجود» (بسند أبي القاسم الخزرجي عنه)، وقول «تصدّق تصل إلى ما تريد»، وأصل المذهب في الإحسان.
٢. محيي الدين ابن عربي، «الفتوحات المكية»، ٤/١٢١ — تسميته «صاحب الصدقة» وموقف ربع الدرهم.
٣. أحمد التوفيق، «أبو العباس السبتي ومذهبه في التضامن والتوحيد» — شرح المذهب ومراتب الإحسان.
٤. حسن جلّاب، «الحركة الصوفية بمراكش: ظاهرة سبعة رجال»؛ وأبو علي الحسن اليوسي، «العينية» — في تأخّر تأسيس زيارة السبعة.
✦ مشكاة النبوة