
رِجال النّور · سلسلة في أعلام التّصوّف المغربيّ
سيّدي محمّد المعطى بن الصّالح الشّرقاويّ
«أبو الذّخائر» — الحفيد الذي صاغ من المحبّة موسوعة
في أبي الجعد، المدينة التي أنبتها جدّه «بوعبيد الشّرقيّ» من قفر مهجور، نشأ حفيد لم يكتف بوراثة الزّاوية، بل حوّلها إلى موسوعة. لم يكن سيّدي محمّد المعطى بن الصّالح (نحو 1100–1180هـ) شيخ تربية فحسب، بل صاحب أضخم كتاب مغربيّ في الصّلاة على النّبيّ ﷺ. فمن هو الرّجل وراء سبعين مجلّدا؟
من الزّاوية إلى الموسوعة: تكوين عالم
ولد نحو مطلع القرن الثّاني عشر الهجريّ في كنف والده سيّدي محمّد الصّالح، مجدّد الزّاوية في عهد مولاي إسماعيل، وهي يومئذ تعجّ بالعلم والعلماء. تفقّه على أبيه وعمّه، وأخذ الأصول والمنطق عن أحمد بن زكّور، والتّفسير والسّيرة عن العافية الصّومعيّ، والطّبّ عن ابن شقرون، والتّصوّف عن السّريفيّ بإذن من أبيه. فجمع — كأسلافه — بين علم الظّاهر وعلم الباطن، حتّى عدّ من أكابر أهل وقته علما وحالا. وفي هذا التّكوين المتين سرّ ما سيأتي.
ذخيرة المحتاج: مشروع عمر
أعظم آثاره وأبقاها «ذخيرة الغنيّ والمحتاج في صاحب اللّواء والتّاج» ﷺ، أكبر موسوعة مغربيّة في الأمداح النّبويّة، بلغت نحو سبعين مجلّدا. أراد بها أن يتجاوز «دلائل الخيرات» للجزوليّ، بأسلوب مبتكر لم يسبق إليه: أن يفرغ السّيرة النّبويّة كلّها في «صيغة صلاة» على النّبيّ. قال يصف باعثه:
«حرّكني حامل الحبّ الذي لا يردّ ورده، أن أدلي دلوي، لأنّ المورد العذب كثير الازدحام»
كتبها زهاء عشرين سنة، فأتمّها قبيل وفاته، وزيّن بعض أسفارها بلوحات مذهّبة تتماوج بين الأحمر والأخضر والذّهبيّ، حتّى أخذت تقرأ منها ورقات على كرسيّ خاصّ بجامع القرويّين. شهد له الكتانيّ بأنّها «من أعظم الكتب التي فاق بها المغاربة على غيرهم»، ولقّبه «فخر المغرب، أبا الذّخائر». ولم يقف عند التّأليف، بل أنشأ لأصحابه طريقة عرفت بـ«المعطاويّة»، نظم لها سبعة أحزاب على عدد أيّام الأسبوع أشهرها «حزب الفتح والنّور»، وأسّس بها زوايا في تادلة وخنيفرة وفاس.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
الرّجل في ميزانه
ووراء الموسوعة رجل سنّيّ المنهج، يتبرّأ من الشّطح والدّعوى، على نهج شيخ آل بيتهم اليوسيّ الذي عرّف التّصوّف بأنّه «صفاء القلوب من الأكدار». ومن وصيّته لابنه ما يكشف مذهبه في تلازم العلم والسّلوك:
«وعليك بالعلم، فالعلم زينة الفقر وعماده؛ وفقر بلا علم فضيحة ومكر وخديعة، وهو ظلمة بلا سراج»
ولازمه كاتبه العبدونيّ سنين يكابد معه تأليف الذّخيرة، حتّى كفّ بصره عند السّفر الخامس والخمسين، فأثبت سيرته في «اليتيمة»؛ على أنّ المنصف يميّز فيها بين ما يروى بأدب المناقب وما يثبت بميزان النّقد، فلا تقديس يعمي ولا تشكيك يجحد.
شيخ في زمن الفتنة
تولّى المشيخة سنة وفاة أبيه (1139هـ)، وهي سنة اختفاء المولى إسماعيل وبداية الفتنة الكبرى. فكان ملاذ تادلة في ثلث قرن من الحروب والمجاعة: يتنقّل بين القبائل ساعيا في الصّلح، يقصده النّاس «حفاة عراة» يطلبون تدخّله لدفع عاديات الفتنة. وحين ضرب الزّلزال الكبير سنة 1160هـ، ضمّن وصف المحنة «حزب اللّطف والفرج». ولخّص زمانه بقوله: «وكانت كلّها أشرارا وحروبا وأكدارا وجوعا وحبس أمطار». وفيه قال الدّلائيّ لأهل تادلة:
«إنّ في بلدكم سيّدا صالحا… ولو أراد الله بكم خيرا لعمّر قلوبكم بمحبّته؛ ولو فعلتم ذلك لم يتعدّ عليكم إنس ولا جانّ ولا سلطان»
عبقريّة الحفيد
توفّي في الحادي عشر من محرّم سنة 1180هـ (1766م)، فدفن بأبي الجعد ملاصقا لضريح ابنه سيّدي عليّ. إنّ سيرته تلخّص عبقريّة الزّاوية المغربيّة في طورها المبدع: فإذا كان «بوعبيد الشّرقيّ» قد صاغ من القفر عمرانا، فإنّ حفيده صاغ من العمران ذخيرة. وبه بلغ التّصوّف الجزوليّ الشّاذليّ في صورته المعطاويّة ذروة أدبيّة وفنّيّة نادرة؛ شاهدا على أنّ أبقى ما تتركه الزّوايا ليس الحجر، بل الكتاب والأثر في النّفوس.
مصادر المقال
ـ محمد بن عبد الكريم العبدوني، يتيمة العقود الوسطى في مناقب الشيخ أبي عبد الله محمد المعطى (مخطوط).
ـ أحمد بوكاري، الزاوية الشرقاوية ـ زاوية أبي الجعد، ج1 (إشعاعها الديني والعلمي) وج2 (دورها الاجتماعي والسياسي)، مطبعة النجاح الجديدة.
ـ ومنقولات عن: الكتاني «فهرس الفهارس»، والتاودي بن سودة في فهرسته، والقادري «نشر المثاني»، والزركلي «الأعلام»، والمنوني «قبس من عطاء المخطوط المغربي».
✦ مشكاة النبوة
عمل جيد مشكورون