‏مَنْ سَتَرَكَ وَهُوَ يَرَاك

‏في السِّتْرِ الإلهيِّ: نعمةً باطنةً، ومقامًا، وخُلُقًا

‏العِلْمُ الذي لا يَفضَح

‏ما في الوجودِ عينٌ أشدُّ إحاطةً من عِلْمِ الحقِّ سبحانه. لا تَخْفى عليه لَفتةُ عينٍ سارقة، ولا هَمْسةُ نيَّةٍ لم تخرجْ بعدُ إلى الفعل، ولا ذلك الذي يجري في القلب ولا يُقالُ لأحد. قال جلَّ ثناؤه:

‏يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ‏ [غافر: 19]

‏ثم إنَّ العبدَ، بعد هذا كلِّه، يمشي بين الناس مُعافًى. يَلقاهم فيَلقَونه بالتحيَّة، ويجلسُ إليهم فيُحسِنون به الظنَّ، ويُصلّي بهم فيُقدِّمونه، وليس بينهم وبين معرفةِ حقيقتِه إلا حجابٌ رقيقٌ لو رُفِعَ لتفرَّقوا عنه. هنا يقعُ العجبُ الذي لا يُدرَكُ إلا بالتأمُّل: أنَّ العلمَ التامَّ لم يُثمِرْ فضيحةً تامَّة. فالذي يَرى كلَّ شيء هو الذي يُخفي كلَّ شيء. وفي الحديث:

‏إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الحَيَاءَ والسِّتْرَ‏ (أبو داود والنسائي، وصحَّحه غيرُ واحد)

‏وحياءُ الحقِّ ليس حياءَ المخلوقِ الذي هو انكسارٌ يَعتري النفسَ خوفَ الذمِّ؛ فالله غنيٌّ عن ذلك كلِّه. وإنما هو، كما قرَّره المحقِّقون، حياءُ كَرَمٍ وجُودٍ وجَلال: أن يَقْدِرَ فلا يُعاجِل، وأن يَرى فلا يَهتِك. وبين الاسمَين — العَليمِ والسِّتِّيرِ — يقومُ كلُّ ما في الدِّينِ من رجاء.

‏النِّعمةُ الباطنة

‏قال تعالى:

‏وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً‏ [لقمان: 20]

‏ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في تفسيرها بما معناه: أنَّ الظاهرةَ الإسلامُ والقرآن، وأنَّ الباطنةَ ما سَتَرَه اللهُ عليك من عيوبك فلم يفضحْك بها. وهذا موضعُ غفلةٍ عجيبة: إنَّ الناسَ يُحصُونَ النِّعَمَ الظاهرةَ إحصاءً — صحَّةً ورزقًا وولدًا وعافيةً — ولا يكادُ أحدُهم يَعُدُّ النعمةَ الأخرى، وهي أنَّه لم يُهتَكْ. أنَّ ما يعلمُه اللهُ عنه لم يُذَعْ، وأنَّ صحيفتَه التي بين يدَي ربِّه لم تُقرأْ على الملأ، وأنَّ الوجهَ الذي يَلقى به الناسَ ليس هو الوجهَ الذي يَعرِفُه من نفسه، وأنَّ اللهَ رَضِيَ له بذلك ولم يَكشِفْه.

‏والنعمةُ الباطنةُ لا تُشكَرُ لأنها لا تُرى؛ ولا تُرى لأنها هي بعينُها فِعْلُ الإخفاء. فمن أعجبِ ما في هذه النعمة أنَّ من تمامِها ألَّا يشعرَ بها صاحبُها.

‏الكَنَفُ يومَ العَرْض

‏ولمَّا كان السِّتْرُ صفةَ ربوبيَّةٍ لا عارضًا دنيويًّا، فإنَّه يَمتدُّ إلى الموقفِ الأعظمِ حيث تُكشَفُ الأستارُ كلُّها. سُئل ابنُ عمرَ رضي الله عنهما عن النَّجوى، فقال سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

‏إنَّ اللهَ يُدْني المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عليه كَنَفَه ويَسْتُرُه، فيقولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ فيقولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حتى إذا قَرَّرَه بذُنوبِه، ورأى في نفسِه أنَّه هَلَك، قال: سَتَرْتُها عليكَ في الدُّنيا، وأنا أَغْفِرُها لكَ اليَوْم‏ (البخاري 2441، ومسلم 2768)

‏والكَنَفُ في اللغة السِّتْرُ والجانب. وتأمَّلْ دقَّةَ المشهد: إنَّ اللهَ لا يَستُرُ الذنبَ عن العبد — بل يُعدِّدُه عليه واحدًا واحدًا حتى يُيقِنَ الهلاك — وإنما يَستُرُ العبدَ عن الخلق. فالحسابُ في حقِّ المؤمن مُناجاةٌ لا مُحاكمة، وإقرارٌ لا مُناقشة. والمغفرةُ تجيءُ بعد التقريرِ لا بدلًا منه؛ إذ لا معنى لعفوٍ عن ذنبٍ لم يُعترَفْ به. أمَّا الطرفُ الآخر من المشهد فهو النداءُ على رؤوسِ الأشهاد. وهكذا ينقسمُ الخلقُ يومئذٍ قسمَين: مَن أُدنِيَ فسُتِر، ومَن نُودِيَ عليه فافتُضِح. وليس بينهما ثالث.

‏سِتْرٌ فيها وسِتْرٌ عنها

‏وأدقُّ ما قِيلَ في هذا البابِ كلمةُ الشيخ أحمدَ بنِ عطاءِ اللهِ السَّكندريِّ في حِكَمِه:

‏«السِّتْرُ على قسمَين: سِتْرٌ عن المعصية، وسِتْرٌ فيها. فالعامَّةُ يطلبون من الله السِّتْرَ فيها، خشيةَ سقوطِ مرتبتهم عند الخلق؛ والخاصَّةُ يطلبون من الله السِّتْرَ عنها، خشيةَ سقوطهم من نَظَرِ المَلِكِ الحقّ»‏ (الحِكَم العطائية)

‏وشرحها ابنُ عبَّادٍ الرُّنديُّ في «غيث المواهب» بما معناه: أنَّ العامَّةَ يغلبُ عليهم شهودُ الخلق ومحبَّةُ حمدِهم وكراهيةُ ذمِّهم، فهم يُواقِعون المعصيةَ ويستخفون بها، ويسألون اللهَ ألَّا يراهم الناسُ فيها، فيسقطوا من أعينهم. أمَّا الخاصَّةُ فلا يَعنِيهم أن يراهم الخلقُ أو لا يرَوهم؛ إنما يَسألون اللهَ أن يَحُولَ بينهم وبين المعصيةِ ابتداءً، لأنَّ سقوطَهم الذي يخافونه ليس من عيونِ الناس بل من نظرِ الحقِّ إليهم.

‏فالكلمةُ الواحدةُ — «اسْتُرْني» — يقولُها الرجلان، ويعني كلٌّ منهما غيرَ ما يعني صاحبُه. يقولُها هذا وهو يُريدُ أن يَبقى ذنبُه ومكانتُه معًا؛ ويقولُها ذاك وهو يُريدُ ألَّا يكونَ له ذنبٌ أصلًا. وشتَّانَ بين مَن يَستَعِيذُ من الفضيحة، ومَن يَستَعِيذُ من الجريمة.

‏ثم يَنقُلُك ابنُ عطاءِ اللهِ نَقلةً أبعد، فيُخبِرُك أنَّ حاجتَك إلى السِّتْرِ لا تنتهي عند معاصيك، بل تَبلُغُ طاعاتِك نفسَها:

‏«لولا جميلُ سَتْرِه لم يكن عملٌ أهلًا للقَبول»‏ (الحِكَم العطائية)

‏وهذا مِن أهولِ ما يُقال. فإنَّ العملَ الصالحَ نفسَه مشوبٌ: فيه العُجْبُ الخفيُّ، والالتفاتُ إلى نظرِ الناس، والاسترواحُ إلى لذَّةِ القَبول. ولو عُرِضَ عملُك عليك مكشوفًا لَما رَضِيتَه، فكيف تُقدِّمه بين يدَي مَن لا تخفى عليه خافية؟ فالسِّتْرُ إذن ليس سِترًا على السيِّئاتِ فحسب، بل هو سِترٌ على الحسناتِ حتى تصلُحَ للعَرض. ومن ثَمَّ:

‏«مَن أكرمَكَ فإنما أكرمَ فيكَ جميلَ سَتْرِه؛ فالحمدُ لِمَن سَتَرَك، ليس الحمدُ لِمَن أكرمَكَ وشَكَرَك»‏ (الحِكَم العطائية)

‏فإذا مَدَحَك مادحٌ فاعلمْ أنه لم يَمدَحْك، وإنما مَدَحَ حجابًا أُسبِلَ عليك فحال بينه وبين رؤيتِك. والثناءُ الذي يَصِلُك إنما هو ثناءٌ على السِّتِّيرِ سبحانه، مرَّ بك في الطريق.

‏حينَ يكونُ السِّتْرُ عُقوبة

‏على أنَّ لفظَ «السِّتْر» في لسانِ القومِ يَحمِلُ معنًى آخرَ مغايرًا، بل مضادًّا. عقد الإمامُ القُشيريُّ في «الرسالة» بابًا في السِّتْرِ والتَّجَلِّي، قال فيه:

‏«العَوامُّ في غِطاءِ السِّتْر، والخَواصُّ في دوامِ التَّجَلِّي… والسِّتْرُ للعوامِّ عُقوبةٌ، وللخواصِّ رَحمةٌ»‏ (الرسالة القشيرية)

‏فههنا سِتْرانِ لا سِتْرٌ واحد: سِتْرٌ على الذنبِ عن أعينِ الخلق، وهو رحمةٌ محضة؛ وسِتْرٌ على القلبِ عن مشاهدةِ الحقّ، وهو الحجاب. والأوَّلُ نعمةٌ تُشكَر، والثاني مصيبةٌ لا يشعرُ بها المُصاب. فأكثرُ الناسِ مستورٌ بالمعنيَين معًا: مستورةٌ ذنوبُه، ومستورٌ قلبُه. وهو يَفرَحُ بالأوَّلِ ولا يَفطِنُ للثاني.

‏ثم إنَّ القشيريَّ لم يجعلِ السِّتْرَ عن الخاصَّةِ عقوبةً، بل رحمة؛ لأنَّ دوامَ التجلِّي لا تحتملُه البِنيةُ البشريَّة، فيكونُ إسدالُ الحجابِ عليهم لُطفًا بهم لا حَجْبًا لهم. فالحجابُ في حقِّهم كالكَفِّ التي تُظلِّلُ العينَ عن الشمس، لا كالجدارِ الذي يَحُولُ دونها. وهكذا يَستحيلُ دعاءُ السالكِ دعاءَين لا ينفصلان: أن يَستُرَه اللهُ عن الخلقِ وعن المعصية، وألَّا يَستُرَه عن نفسِه سبحانه.

‏الذي يَهتِكُ سِتْرَ نفسِه

‏وإذا كان السِّتْرُ هديَّةً، فإنَّ ردَّها إساءةٌ من جنسٍ آخر. قال صلى الله عليه وسلم:

‏كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِين. وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أن يَعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلًا، ثمَّ يُصبِحَ وقد سَتَرَه اللهُ عليه، فيقولَ: يا فُلانُ، عَمِلتُ البارِحَةَ كذا وكذا. وقد باتَ يَستُرُه رَبُّه، ويُصبِحُ يَكشِفُ سِتْرَ اللهِ عنه‏ (البخاري 6069، ومسلم 2990)

‏فتأمَّلْ: المُجاهَرةُ ليست ذنبًا زائدًا على الذنب؛ إنها جنايةٌ على السِّتْرِ نفسِه. باتَ اللهُ يَنسِجُ عليه حجابًا طولَ الليل، فأصبحَ هو يُمزِّقُه بيدِه. ولهذا كان في الشريعةِ ما يُشبِهُ الامتناعَ عن الاعترافِ العَلَنيّ: فليس في الإسلامِ كرسيُّ اعترافٍ ولا صندوقُ غفران، والتوبةُ سِرٌّ بين العبدِ وربِّه، لا يَحتاجُ إلى شاهدٍ ولا إلى جمهور.

‏وأحسَبُ أنَّ زمانَنا هو أشدُّ الأزمنةِ مُعاداةً لهذا المعنى. فقد صار الاعترافُ صناعةً، والفضيحةُ سِلعةً، والانكشافُ طريقًا إلى الاعتراف. تَعرِضُ الشاشاتُ جراحَ الناسِ للتصفيق، ويُقاسُ صِدقُ الرجلِ بمقدارِ ما يُبِيحُ من عورتِه. وأخشى ما أخشاه أن يكون جيلٌ كاملٌ قد تعلَّم أنَّ ما لا يُرى لا يُوجَد، فلم يَعُدْ يَعرِفُ للسِّرِّ قيمةً، ولا للحجابِ معنًى، ولا لِلَّهِ اسمًا يُقالُ له السِّتِّير.

‏أن تكونَ سِتْرًا لأخيك

‏ولمَّا كان السِّتْرُ صفةَ الربِّ، كان التخلُّقُ به من أشرفِ ما يَتخلَّقُ به العبد. قال صلى الله عليه وسلم:

‏ومَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَة‏ (البخاري 2442، ومسلم 2580)

‏والجزاءُ من جنسِ العمل، حرفًا بحرف: سِتْرٌ بسِتْر. ومن أبلغِ ما ورد في هذا البابِ ما كان مِن أمرِ هَزَّالٍ رضي الله عنه، إذ أشار على ماعزٍ الأسلميِّ أن يأتيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيُقِرَّ على نفسِه، فأقرَّ فرُجِم؛ فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:

‏يا هَزَّالُ، لو سَتَرْتَهُ بثَوْبِكَ لكانَ خَيْرًا لَك‏ (أبو داود 4377، وصحَّحه الحاكم والذهبي، وحسَّن إسنادَه ابن حجر)

‏والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يُنكِرِ الحدَّ ولم يُبطِلْه؛ إنما أنكرَ السَّعْيَ إلى إظهارِ ما سَتَرَه الله. فالحدُّ حقٌّ إذا بَلَغَ الإمام، والسَّتْرُ أولى قبل أن يَبلُغَه. وقد كتب عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه إلى أميرٍ له أعلنَ في جندِه أنَّ من أصابَ حدًّا فليأتِه ليُطهِّرَه، فأنكرَ عليه عمرُ بما معناه: أتأمُرُ قومًا سَتَرَهم اللهُ أن يَهتِكوا سِتْرَ اللهِ عليهم؟ (رواه عبد الرزاق في المصنَّف).

‏وأصلُ ذلك في القرآن قاطعٌ صريح:

‏إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏ [النور: 19]

‏والآيةُ لم تقلْ «الذين يَفعَلون الفاحشة»، بل «الذين يُحِبُّون أن تَشِيعَ». فالجريمةُ ههنا جريمةُ الإذاعةِ لا جريمةُ الفعل، بل جريمةُ الرغبةِ في الإذاعة. وقبلها النهيُ المُحكَم:

‏وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا‏ [الحجرات: 12]

‏والتجسُّسُ في زماننا لم يَعُدْ حاجةً إلى تسلُّقِ جدار؛ صار زرًّا يُضغَط، وأرشيفًا يُنبَش، ولقطةً قديمةً تُستخرَجُ من قبرها لتُقتَلَ بها سُمعة. وأعجبُ ما فيه أنَّه يَتزيَّا اليومَ بزِيِّ الفضيلة، ويُسمَّى «شفافيَّةً» و«كشفَ حقيقة» — وهو إنما وُجِّه إلى العَورات لا إلى الأموالِ العامَّة، وإلى الضعفاءِ لا إلى ذوي السلطان.

‏سِتْرُ الأولياء

‏وثَمَّ وجهٌ أخيرٌ للسِّتْر، هو ألطفُ وجوهِه: سِتْرُ اللهِ لأوليائه عن الخلق. فإنَّ الغَيْرةَ الإلهيَّةَ تَأبى أن يكونَ أحبابُه مَعروضِينَ على الأنظار. قال صلى الله عليه وسلم:

‏رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفوعٍ بالأبْوابِ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّه‏ (مسلم 2622)

‏رجلٌ تُغلَقُ في وجهِه الأبواب، ولو أقسمَ على الله لأبرَّ قَسَمَه. هذه هي المعادلةُ المقلوبةُ التي يقومُ عليها الوجودُ ولا يَراها أحد. وقد جرى على ألسنةِ القومِ قولٌ يُروى: «أوليائي تحت قِبابي لا يَعرِفُهم غَيري»، أورده الغزاليُّ في «الإحياء» وغيرُه بصيغةِ الحديثِ القدسيّ؛ والحقُّ أنَّه لا يَثبُتُ مرفوعًا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرَفُ له إسناد. غير أنَّ معناه صحيحٌ تَشهَدُ له الأحاديثُ الثابتة، وحسبُنا منها حديثُ الأشعثِ الأغبر.

‏ومن هنا كان قصدُ الخُمولِ عند طائفةٍ من القوم — وهم المَلامتيَّة — بابًا من أبوابِ إسقاطِ الجاه. على أنَّ الغزاليَّ نفسَه، وهو يَحكي مذهبَهم، نبَّه إلى أنَّ مَن ذهبَ منهم إلى مُباشرةِ ما يُلامُ عليه شرعًا ليَسقُطَ من أعينِ الناس فقد أخطأ، إذ لا يجوزُ الإقدامُ على مَحظورٍ لتحصيلِ فضيلة. وإنما المحمودُ من ذلك ما لا يُخالِفُ شريعةً: أن يُخفيَ الرجلُ حالَه، ويَكتُمَ صلاحَه، ويَرضى بأن يكونَ في الناسِ كأحدِهم.

‏وأورد الغزاليُّ في «الإحياء» حكايةً عن بعضِهم أنَّه سأل دعاءً يُخفيه عن قلوبِ الخلق، فكان مِمَّا حُفِظَ عنه: «اللهمَّ أَسْبِلْ عليَّ كثيفَ سِتْرِك، وحُطَّ عليَّ سُرادِقاتِ حُجُبِك، واجعلني في مكنونِ غَيبِك، واحجُبْني عن قلوبِ خَلقِك». والحكايةُ لا سندَ لها، ولا نُوردُها للاحتجاج، وإنما لتُنبِئَ عن ذوقِ القوم: أنَّهم سألوا اللهَ من العافيةِ أن يُنسِيَهم الناس.

‏فسِتْرُ الوليِّ لحالِه ليس تواضُعًا مُصطنَعًا، بل هو تخلُّقٌ باسمِ السِّتِّير: كما سَتَرَه اللهُ في ذنبِه، يَستُرُ هو نفسَه في طاعتِه. وهذا هو الميزانُ العجيبُ الذي يَقلِبُ حسابَ الدنيا: أن تُخفِيَ ما يُزَيِّنُك، وقد أخفى اللهُ عنك ما يَشِينُك.

‏خاتمة: السِّتْرُ مُهلةٌ لا مُكافأة

‏يَبقى تحذيرٌ لا بدَّ منه، وإلَّا انقلبَ هذا الكلامُ كلُّه إلى تخديرٍ ناعم. فإنَّ السِّتْرَ ليس بَراءة، وليس إقرارًا، وليس شهادةَ رضًا. كم من رجلٍ ظنَّ سُكوتَ السماءِ عنه مُوافقةً، فتمادى؛ وإنما كان إمهالًا. وقد نبَّه ابنُ عطاءِ اللهِ إلى ما هو أدقُّ من ذلك:

‏«أنتَ إلى حِلْمِه إذا أطعتَه أحوَجُ منكَ إلى حِلْمِه إذا عصيتَه»‏ (الحِكَم العطائية)

‏لأنَّ معصيتَك تَفتَحُ بابَ الانكسار، وطاعتَك قد تَفتَحُ بابَ العُجب؛ والأولى أقربُ إلى الرحمةِ من الثانية. فمن سُتِرَ فليَعلمْ أنَّه في مُهلة، وأنَّ الحجابَ المُسبَلَ عليه إنما أُسبِلَ لِيَتوبَ خلفَه، لا لِيَستمرَّ خلفَه. ومَن عَرَفَ قَدْرَ السِّتْرِ لم يَملِكْ إلا أن يَستُرَ غيرَه، إذ صار يَعرِفُ من نفسِه ما لو عَرَفَه الناسُ لَهَجَروه.

‏وكان مِن دعائه صلى الله عليه وسلم:

‏اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتي، وآمِنْ رَوْعاتي‏ (أبو داود وابن ماجه، وحسَّنه غيرُ واحد)

‏فاسألِ اللهَ السِّتْرَ ثلاثًا لا واحدة: السِّتْرَ عن المعصيةِ قبل أن تقعَ فيها، والسِّتْرَ فيها إن وقعتَ، والسِّتْرَ يومَ يَضَعُ عليك كَنَفَه فلا يَراك أحدٌ سواه. وأمَّا الثالثةُ فهي التي تُختصَرُ فيها الرحمةُ كلُّها: أن يكونَ آخرُ ما تَسمَعُه في ذلك المقامِ الرهيبِ كلمةً واحدة — سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم.

✦ مشكاة النبوة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top