
الطَّرِيقُ أَمَانَةٌ فِي اليَدِ، لَا مِلْكٌ فِي الصَّكّ
في ما يُورَّثُ وما لا يُورَّثُ من الطُّرُقِ الصُّوفيَّة
أوّلاً: تحويلُ السؤال
حين يشتدُّ النزاعُ في زاويةٍ، يُطرح السؤالُ دائماً على صورةٍ واحدة: مَن الشيخُ الشرعيُّ؟ ومن يملك حقَّ التمثيل؟ وهذا سؤالٌ يُنتج خصومةً ولا يُنتج معرفة. والسؤالُ الذي يستحق أن يُتعَب فيه سابقٌ عليه: هل الطريقُ أصلاً ممّا يُملَك، حتى نتنازع في تعيين مالكها؟
فحين يقول قائلٌ «الطريقةُ ليست حكراً على آل فلان»، ويردّ الآخرُ «هي لنا ونحن فخورون بالانتساب إليها»، يكون الطرفان قد اتفقا — من حيث لا يشعران — على أخطر مقدّمةٍ في الباب: أنّ الطريق تقبل المِلك. والخلافُ حينئذٍ ليس خلافاً في الحكم، بل خطأٌ في التصنيف.
ثانياً: أربعةُ مفاهيمَ يخلطها النزاع
النِّسبةُ إحالةٌ على سلسلة أخذٍ وتربية، لا على قبيلةٍ ولا عائلة؛ فقولك «قادريّ» أو «شاذليّ» أو «تيجانيّ» إخبارٌ عن العين التي منها شربتَ، لا عن الأرض التي تملكها. والبيتُ أسرةٌ حملت الأمانة فحفظت الأدب وعمرت الزاوية وأطعمت الوافد، وهو وظيفةُ استمرارٍ لا صكُّ ملكية؛ فالحارسُ يُشكَر ولا يصير بحراسته مالكاً. والإذنُ والخلافةُ هما وحدهما مناطُ الشرعية عند أهل الفنّ، وهما فِعلُ نقلٍ من مأذونٍ إلى مأذون، مدارُه على الأهلية لا على الرَّحِم. أمّا المِلكيةُ فمقولةٌ دخيلةٌ تسرَّبت من لغة الأملاك إلى لغة السلوك. وأخطرُ ما في السجال أنه يستعمل حُجَجَ البيت في مقام الإذن، وحُجَجَ الإذن في مقام النسبة.
ثالثاً: برهانُ الفرائض وقاعدتان أصوليّتان
لو كانت الطريقُ موروثةً حقيقةً لا مجازاً، للزم أن تُقسَّم قسمةَ الفرائض: للذكر مثلُ حظِّ الأنثيين، وللزوجة الثمن، وللأمّ السدس، ويُقسَّم «السرُّ» أثلاثاً وأسداساً على طبقة الورثة كلِّهم. وهذا ما لا يقوله أحدٌ من المتنازعين أنفسهم؛ وفي بطلان اللازم بطلانُ الملزوم. فالذي يُورَّث في البيوت هو المكانُ والمالُ والذكرى والأدبُ المكتسَب؛ أمّا الأهليةُ للتربية فلا تُورَّث، لأنّ الله لم يجعل المواهب في الأصلاب.
ويُسنِد هذا البرهانَ أصلان مقرَّران عند الأصوليين: الأوّل أنّ الأصل في الولايات الكفاءةُ لا النسب، فما كان تكليفاً بمصلحةٍ عامّة كان مدارُه على القدرة على أدائها؛ والثاني أنّ العبرة بالمقاصد لا بالألقاب، فاللقبُ يُخبِر ولا يُنشئ.
رابعاً: شهادةُ الأسانيد — والإذنُ يخترق الدم
لو كان الدمُ شرطاً لانقطع أشرفُ سندٍ مغربيّ من أوّل حلقاته: فابنُ مشيش خلفه رجلٌ من غمارة لا قرابةَ بينهما هو أبو الحسن الشاذلي، والشاذليُّ خلفه أندلسيٌّ من مُرسية، والمرسيُّ خلفه فقيهٌ مصريٌّ من جُذام كان بالأمس من المنكِرين عليهم: ابنُ عطاء الله السكندري، الذي دُوِّنت على يده «الحِكَم» فصارت دستور الشاذلية.
وليس هذا خصوصيةً شاذلية. فالتيجانيةُ إنما بلغت غربَ إفريقيا حين نال الحاجُّ عمرُ الفوتي الإذنَ بالمدينة عن الشيخ محمد الغالي — ولا رَحِمَ بينهما — وقيل له صراحةً: أنت خليفةٌ لا مقدَّم؛ وبمثل ذلك دخلت موريتانيا على يد محمد الحافظ الشنقيطي، وتونسَ على يد إبراهيم الرياحي. والنقشبنديةُ تُسند سلسلتها إلى أبي بكر الصديق، أي إلى صاحبٍ لا إلى قرابة. وفي المقابل سارت السنوسيةُ على التوريث في بيتها فدامت به قروناً. فالتاريخُ إذن لا يُعطي قاعدةً واحدة، وهو بذلك يُبطل الدعوى في الاتجاهين: لا الوراثةُ شرطٌ، ولا هي بدعةٌ.
خامساً: المنطقةُ الرماديّة — حين تلتفُّ الوصيّةُ على الأهليّة
وهنا الموضعُ الذي يُغفَل عادةً. فنفيُ وراثة الدم لا يحسم المسألة، لأنّ الوراثة قد تدخل من باب الإذن نفسه: يوصي الشيخُ لولده، فيكتسب الأمرُ صورةَ التعيين الشرعيّ وحقيقتُه محاباةٌ أبوية. والوصيةُ في ذاتها مشروعةٌ ومعمولٌ بها، لكنها ليست دليلاً كافياً بمجرّدها؛ إذ الشرطُ فيها ما اشترطه القوم في الإذن: أن يشهد له أكابرُ الطريق، وأن يظهر أثرُه في القلوب قبل الأوراق. فالوصيةُ تُرجَّح بالأهلية، ولا تُنشئ الأهلية. ومتى صارت الوثيقةُ تُغني عن الثمرة، فقد عادت الوراثةُ من الباب الذي أُخرِجت منه.
سادساً: المريدُ ليس ملاكاً
ويُقال عادةً إنّ المريد يملك وِردَه وصِدقَه وأدبَه، فليشتغل بها ويدع النزاع. وهذا صحيحٌ في المقام، لكنه يصير تبسيطاً إن أُخِذ وحده. فالمريدُ في هذه المعارك ليس شاهداً محايداً، بل هو موضوعُها ووقودُها: يُستدعى لعدده، ويُقاس صدقُه باصطفافه لا بحاله، ويُضغَط عليه اجتماعياً وأحياناً مادياً، ويُغلَق في وجهه بابُ السؤال باسم الأدب. والأدبُ الحقيقيُّ لا يُخاصم السؤال وإنما يُهذّب صيغته؛ أمّا استعمالُه لإسكات المستفهم فهو استعمالُ الفضيلة أداةَ سلطة.
سابعاً: تمييزٌ لا فصل
لم تنشأ الوراثةُ عبثاً: كانت صمّامَ أمانٍ يحفظ الأوقاف من التنازع ويقطع الفتنةَ عند الشغور. لكنّ الشروط تغيّرت، فصار المريدون في مدنٍ وقاراتٍ ولغات. وقد يُقال: افصلوا الإدارةَ عن التربية. وهذا صحيحٌ نظرياً، خطِرٌ عملياً؛ إذ المريدُ لا يُطيع الجهةَ المالية إلا لأنها مستمدّةٌ من هيبة المربّي، فإذا قُطعت عنه صارت الزاويةُ جمعيةً مدنيةً جافّةً بلا جاذب.
فالمطلوب إذن تمييزٌ لا فصل. تبقى الإدارةُ تحت ولاية الشيخ العامّة فلا تفقد شرعيتها، لكن تُمايَز وظيفتُها: هيئةٌ للنظارة بحسابٍ معلنٍ ومراجعةٍ دورية، والشيخُ لا يُوقّع الحساب، والقائمون على المال لا يُلقّنون ورداً ولا يُربّون. وهذا ليس ابتداعاً؛ فالزاويةُ المغربية عرفته قروناً حين كان للوقف ناظرٌ وللزاوية مقدَّمٌ، وليس أحدُهما هو الشيخَ بالضرورة. أمّا الخوف من «الجفاف»، فيقابله خوفٌ أشدُّ منه: أن يبقى المالُ ملتبساً بالمشيخة حتى ينكشف للمريد يوماً أنّ ما ظنّه تربيةً كان استثماراً. والهيبةُ التي تُنفَق على تحصيل المستحقات تنفد؛ وإنما هي رأسُ مالٍ للتربية لا للجباية.
ثامناً: ومَن الأكابر؟ وماذا لو انقسموا؟
وتبقى العقدةُ الأخيرة: إذا كان الإذنُ يُضبَط بشهادة أكابر الطريق، فمن يُعيّن الأكابر حين تنقسم الزاوية؟ ألا ينقسم المجلسُ كما انقسم البيت؟
والجوابُ أنّ الأكبريّة ليست بالسنّ ولا بالوجاهة ولا بانتخابٍ يُجرى وقت النزاع، بل بمعيارٍ وثائقيٍّ سابقٍ عليه: هم المأذونون في التربية والتقديم عن آخر شيخٍ لا يتنازع الطرفان في مشيخته. وهذه هي عينُها طريقةُ المحدِّثين في الاختلاف: يُرجَع إلى آخر أصلٍ متّفقٍ عليه، لا إلى ما تفرّع عنه. فالمجلسُ لا يُنشَأ ساعةَ الخصومة، وإنما يُستخرَج من طبقةٍ سابقةٍ عليها؛ وبذلك يخرج تعيينُه من يد المتخاصمين.
فإن انقسم الأكابرُ أنفسهم بعد ذلك، فليس هذا فشلاً للآلية بل خبراً منها: معناه أنّه لا شهادةَ جامعةً على أهليةٍ واحدة. والحكمُ حينئذٍ ليس تنصيبَ غالبٍ، بل وقفُ دعوى المشيخة العامّة، وبقاءُ كلِّ مأذونٍ يُربّي في دائرته. وهذا ما فعله التاريخُ الصوفيُّ نفسُه مراراً: فمن الشاذلية تفرّعت الجزولية ثم الناصرية والدرقاوية، ولم يكن التفرّعُ مرضاً بل مخرجاً. فالطرقُ حين تعجز عن الاتفاق تتفرّع ولا تتقاتل؛ والتفرّعُ يُبقي التربية، والتقاتلُ يُتلفها ويُتلف الاسم معها.
خاتمة
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾
وليس في الآية استدلالٌ مباشرٌ على مسألتنا، وإنما استئناسٌ بمقصدٍ عامّ: أنّ الميزان عند الله عملٌ لا نسب. وما هو نصٌّ في الباب حقيقةً قولُه صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» — رواه مسلم
فالسؤالُ الصحيح ليس: لمن تنتمي الطريق؟ بل: هل ما زالت طريقاً؟ ومعيارُه واحدٌ لا يحابي أحداً: هل يخرج منها من دخلها أرقَّ قلباً، وأحسنَ خُلقاً، وأقلَّ دعوى، وأسرعَ إلى العفو؟ فإن كان، فهي طريقٌ وإن اختُصم في اسمها. وإن لم يكن، فلن ينفعها اسمٌ ولا نسبٌ ولا وصية. الطريقُ أمانةٌ في اليد، لا مِلكٌ في الصكّ؛ ومن حمل الأمانة عرفه الناسُ بأثرها فيهم، لا بدعواه فيها.
✦ مشكاة النبوة