حين تتحوّل حماية الصورة إلى إطالة لأمد الابتلاء
قراءة واقعية صوفية في انقسام الطريقة البودشيشية قبيل رمضان
تمهيد
ما يَرِد في هذا النص ليس دفاعًا عن اختيارٍ دون آخر، ولا قراءةً من داخل الاستقطاب القائم، بل محاولة واعية لأخذ مسافةٍ هادئة تُتيح النظر إلى ما يجري كما هو، لا كما نحبّ أن يكون.
ومع أنّ موقفي معروف لدى من يعرفني، فقد اخترتُ هنا أن أتكلّم من موضع المسافة، لا رغبةً في محاكمة أحد، ولا سعيًا إلى تصحيح مسار أحد.
فالطريق، في نظري، أوسع من قراءاتنا، وأبقى من اصطفافاتنا، وأدقّ من أن يُختزل في سجالٍ أو خطاب إقناع.
وإن بدا في هذا الكلام شيءٌ من الصراحة، فهي صراحة المحبّ الذي يخاف أن يُطيل الدفاع عن الصورة أمد الابتلاء، لا صراحة الخصم الذي يبحث عن غلبة أو انتصار.
فالمسافة هنا ليست تخلّيًا، بل محاولة للوفاء، لأنّ النظر من بعيد أحيانًا أصدق من الكلام من قلب الضجيج.
مقدمة
صار واضحًا اليوم أنّ الطريقة البودشيشية تعيش حالة انقسام إلى جانبين، لكلّ جانب اختياره وخطابه ورؤيته لما يجري.
هذا الانقسام، الذي ظهر بعد وفاة سيدي جمال رحمه الله، لم يعد مرحلة عابرة تنتظر الحسم، بل واقعًا استقرّ، وتكيّف معه الناس، ومضى كلّ طرف في مساره الروحي.
ومع ذلك، لا يزال خطاب الإقناع حاضرًا بقوّة، وكأنّ هذا الواقع لم يثبت بعد، أو كأنّ الزمن لم يأخذ حقّه.
وهذا ما يثير في نفسي حيرة صادقة لا أنكرها ولا أبحث لها عن تبرير سهل.
ويمكن أن يُقال هنا إنّ هذا الانقسام، في ذاته، لم يكن مستغرَبًا؛ فكلّ تجربة روحية، حين تُواجِه تحوّلًا كبيرًا في قيادتها أو سياقها، تحتاج إلى زمن كي تُعيد بناء توازنها وتختبر قدرتها على الاستمرار.
غير أنّ الإشكال لا يكمن في حاجة كلّ جانب إلى هذا الزمن، بل في أنّ هذا التشكّل لا يجري دائمًا بمنطق البناء الهادئ، بل كثيرًا ما يتمّ — في الوعي أو اللاوعي — على قاعدة نفي الآخر، لا على تثبيت الذات في معناها الخاص.
وهنا يبدأ الزمن، بدل أن يكون مجال نضج، في التحوّل إلى ساحة صراع.
صراع التمثيل واستنزاف الصورة
من زاوية واقعية، يرى كلّ جانب من جانبي الطريقة نفسه ممثّلًا لها، وحاملًا لاسمها، ومسؤولًا عن نقائها وصورتها أمام الداخل والخارج.
هذا الإحساس بالتمثيل يجعل وجود الطرف الآخر لا يُقرأ بوصفه اختيارًا مختلفًا داخل البيت الواحد، بل بوصفه مساسًا بصورة الطريق وتهديدًا لصفائها.
وهكذا يتحوّل الاختلاف من تباين في القراءة إلى صراع رمزيّ حول من يُجسّد الطريق تمثيلًا صحيحًا، ويصبح الهاجس الأساسي هو كيف نُظهر عدالة موقفنا أمام الناس، لا كيف نحفظ للقلوب هدوءها.
غير أنّ هذا السعي المتواصل للدفاع عن الصورة لا يُنقذها، بل يُعيد إنتاج الجرح؛ فكلّ خطاب تبرير، وكلّ محاولة إقناع، تُثبّت في الأذهان صورة طريق منقسمة، متوتّرة، منشغلة بإثبات ذاتها أكثر من انشغالها بالتزكية التي وُجدت من أجلها.
وهكذا تُستنزف الصورة بالكلام، لا لأنها تعرّضت للانقسام فقط، بل لأنّ الكلام عنها لم يتوقّف.
ويُضاعف هذا الاستنزافَ أنّ كلّ طرف لا يكتفي بالدفاع عن اختياره، بل يرى نفسه الوريث الشرعي لرسالة الطريق، والأجدر بحمل اسمها، والأحقّ برصيدها التاريخي والرمزي.
فلا يُنظر إلى هذا التراث بوصفه أمانةً مشتركة، بل كإرثٍ ينبغي أن يبقى كاملًا وغير قابلٍ للتقاسم.
ومن هنا يصبح وجود الطرف الآخر ليس مجرّد اختلاف، بل تهديدًا لفكرة الامتلاك الرمزي ذاتها، وكأنّ الاعتراف به يقتضي بالضرورة اقتسام الاسم والذاكرة والشرعية.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا نُظر إلى سياق التصوّف في المغرب عمومًا؛ فالساحة الصوفية المغربية غنيّة بالطرق والتجارب، وفي كلّ واحدة منها ما يمكن أن يُساءَل أو يُنتقَد أو يُراجَع.
ومع ذلك، نلاحظ — في هذه المرحلة بالذات — أنّ خطاب النقد لا يتّجه إلا إلى الداخل، وأنّ كلّ طرف من طرفي الانقسام لا يكاد يرى خللًا إلا في الطرف الآخر، ولا يكاد يوجّه مساءلته إلا إليه، وكأنّ الإشكال الصوفي في المغرب كلّه قد اختُزل فجأةً في هذا الانقسام وحده.
وهذه الانتقائية في النقد تُشير، في الغالب، إلى أنّ المقصود ليس النقد لذاته، بل تثبيت موقع داخل البيت الواحد، حيث يصبح القريب أولى بالإقصاء من البعيد، لأنّ الصراع معه صراع على الاسم، لا على الطريق.
بين منطق الوصية ومنطق العهد… دائرة مغلقة
لعلّ ما يُغلق أفق هذا الخلاف أكثر أنّ كلّ طرف لا يرى إمكان اكتمال وجوده إلا إذا استقرّ وحده في موقع الحامل الكامل للطريق.
فتصبح المشاركة في الإرث خسارة لا غنى، ويُفهم التعدّد بوصفه تشويشًا لا امتدادًا لمعنى واحد بصور مختلفة.
وهكذا لا يعود الصراع حول الوصية أو العهد فقط، بل حول حقّ الانفراد بالانتساب.
يزداد هذا الانقسام تعقيدًا حين تُقرأ الشرعية من منطلقين مختلفين:
فمن جهة، يُنظر إلى الوصية بوصفها إشارة معتبرة، لكنها غير كافية وحدها لتعيين الامتداد الروحي، لأنّ الطريق لا تُختزل في نصّ، بل تُفهَم في سياق أوسع من الزمن، والأهلية، واستمرار المعنى في أهله.
ومن جهة أخرى، يُنظر إلى هذا الفهم باعتباره خيانة لعهود أُعطيت، وتنصّلًا من أمانة الطريق وذاكرتها.
وهكذا يرى كلّ طرف نفسه حارسًا للحقّ لا متجاوزًا له، كمن يشدّ على المعنى بيديه خوفًا عليه، فلا يشعر أنّ شدّته تمنعه من التنفّس.
لكنّ هذا التباين لا يُدار بوصفه اختلافًا في القراءة، بل يتحوّل إلى اتهام متبادل، فتدخل الأطراف في حلقة مغلقة يثبت فيها كلّ جانب في موضعه أكثر.
وفي هذا التمركز الصلب، لا يتقدّم الفهم، بل يتضاعف الاستنزاف.
القراءة الصوفية — متى يصبح الشكل حجابًا؟
من المنظور الصوفي، الطريق لم تُبنَ لتُدار بالصورة، ولا لتُحمى بالخطاب، بل لتُعاش في القلوب سلوكًا وتهذيبًا.
وحين ينشغل السالك بإثبات تمثيل الطريق، يكون قد نقل مركز اهتمامه من الداخل إلى الخارج، ومن المعنى إلى الشكل.
كمن يقف طويلًا عند باب الخلوة، يشرح للناس صفاء ما في داخلها، وينسى أن يدخل، حتى يبرد قلبه وهو واقف.
متى نزل المعنى إلى القلب سكن، وإذا سكن استغنى عن كثرة البيان، لأنّ ما استقرّ لا يطلب شهودًا.
أمّا القناعة التي لم تنزل بعدُ إلى موضع السكينة، فإنّها تبقى قلقة، تحتاج إلى تبرير دائم، وإلى نفي الآخر، خشية أن يختلط الأمر أو تضيع الصورة.
وهنا تتحوّل حماية الطريق إلى عبء على الطريق، ويغدو الدفاع عنها سببًا في إنهاك أهلها.
إنّ الطريق لا تُصاب حين يُختلف عليها، بل حين يُخاف عليها أكثر ممّا يُسلك فيها.
رمضان وزمن خفض التوتّر
ونحن على أعتاب شهر رمضان، يزداد هذا السؤال إلحاحًا.
فرمضان في الوعي الإسلامي زمن تهدئة لا تصعيد، وزمن ضبط للسان قبل كلّ شيء.
لم يكن الناس ينتظرون من هذا الشهر أن يُنهي الخلافات، بل أن يُخفّف حدّتها، وأن يمنح النفوس فرصة للمراجعة، حتى لا يتحوّل الاختلاف إلى قطيعة دائمة.
ومن هذا المنطلق، يبدو استمرار الخطاب المتوتّر وتكثيف محاولات الإقناع وكأنّه عجز عن التخفّف، وعدم قدرة على منح الزمن حقّه.
لا يُطلب من أحد أن يتنازل عن قناعته، بل أن يُخفّف من حدّة الدفاع عنها، وأن يترك مسافة بين قلبه وبين ما يستنزفه، احترامًا لحرمة الزمن وروح الشهر.
خاتمة
الطريقة البودشيشية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الإقناع، لأنّ الواقع قد قال كلمته، سواء رضي الناس أم لم يرضوا.
ما تحتاجه هو شجاعة الصمت، والثقة بأنّ المعنى لا يُحفظ بالخصومة، ولا يُستعاد بالصوت العالي.
فما نجا في الطريق لم ينجُ لأنّه دافع عن نفسه أكثر، بل لأنّه تُرك للزمن حتى يقول كلمته فيه.
وربّ طريقٍ ضاع من شدّة الدفاع عنه، وربّ معنى نجا حين كفّ أصحابه عن حراسته، وتركوه يسكن القلوب كما سكنها أوّل مرّة.
✦ مشكاة النبوة