سيّدي محمّد بن أبي القاسم الشّرقيّ «بوعبيد الشّرقيّ»

شيخ التّربية الذي صاغ من القفر مدرسة ومدينة أبي الجعد

في تادلة، حيث تتزاحم الزّوايا على ضفاف أمّ الرّبيع، نشأ وليّ لم يكتف بأن يعمر القلوب، بل عمّر الأرض. لم يكن سيّدي محمّد بن أبي القاسم الشّرقيّ (نحو 926–1010هـ) صاحب خلوة منعزلة، بل صاحب مدرسة ومدينة. فمن هو الرّجل قبل أن يصير مؤسّسة؟

من تادلة إلى مراكش: تكوين رجل

ولد على ضفاف نهر أمّ الرّبيع، قريبا من قصبة تادلة، نحو سنة 926هـ (1520م). حفظ القرآن على والده الشّيخ أبي القاسم الزّعريّ، ثمّ ارتحل إلى زاوية الصّومعة فأخذ التّفسير والحديث والفقه والتّصوّف، ومنها إلى مراكش حيث تشرّب الطّريقة الشّاذليّة الجزوليّة عن أعلامها. غير أنّ تكوينه لم يكن تحصيل علم فحسب، بل صياغة رجل جمع صرامة الفقيه إلى رقّة العارف؛ فعاد إلى بلاده يحمل علما راسخا وحالا صادقة.

التّربية بالقدوة: الشّيخ في مجلسه

قبل أن تصفه الكرامات والمقامات، تصفه طريقته في التّربية. كان يربّي بالقدوة قبل القول: يحفر البئر بيده، ويعقد حلقة درسه، ويطعم الوافد، فيرى المريد في فعل شيخه ما يقال له. ومجلسه يجمع الفقيه والأمّيّ، يأخذ بيد السّالك بالرّفق والتّدرّج، ويمزج الدّرس بالذّكر والسّماع، فلا يرهق مبتدئا ولا يكل منتهيا.

ومن مأثور مجلسه — كما في «المرقي» — أنّ ابنه سيّدي الغزواني عاتبه يوما قائلا: «أنت ترزقني؟» فأجابه الشّيخ: «نعم، أنا أرزقك»؛ فاستعظم الحاضرون قوله، فقال سيّدي محمّد بن أبي بكر الدّلائيّ: لا غرابة، فالشّيخ قطب وقته، والقطب تجري الأرزاق على يده. هكذا كان يربّي أصحابه على معنى التّوكّل والمدد، لا على دعوى الكبرياء.

ومع ما عرف به من غنى حتّى لقّب بـ«الخواجة»، لم تملك الدّنيا قلبه، بل أنفقها في خدمة القاصدين، فعلّم تلامذته أنّ الزّهد موقف القلب لا خواء اليد. ولأنّه أراد تربية تمسّ العامّة لا الخاصّة وحدها، نظم في «الملحون» يعظ بلسان النّاس: «نوصيك بتقوى الله، في السّرّ والإعلان؛ لا تنظر إلّا الله، حاضر في كلّ امكان». بهذا اللّسان القريب أنزل التّصوّف من بروج الاصطلاح إلى أفئدة الرّعاة والفلّاحين.

وكان مع جلالة قدره سهل الحجاب: يلقى القاصد ببشر، ويحلم عن الجاهل، ويؤثر الخامل على وجيه متكبّر؛ فالتفّ حوله المريدون محبّة لا رهبة. ولم يكن أبهى ما خلّفه حجرا، بل أثرا في النّفوس: جيل من التّلاميذ والأبناء حملوا نهجه من بعده، حتّى قيل في مكانته على ألسنة النّاس: «بعد أحمد لا سلطان، وبعد محمّد لا فقير»، يعنون بأحمد المنصور الذّهبيّ، وبمحمّد شيخهم الشّرقيّ.

قطب في ميزان النّقد

عدّته المصادر قطب زمانه، وفيه تتمثّل معاني الولاية التي يصفها التّنزيل:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

وشهد له اليوسيّ بأنّ طريقته «من أنفس الطّرق»، ووصفه النّاصريّ بأنّه «من أكابر أهل وقته». على أنّ المنصف يميّز بين ما يروى من كراماته في كتب المناقب وما يثبت من أخباره: الأوّل ينقل بأدب الرّواية، والثّاني يحرّر بميزان النّقد؛ فلا تقديس يعمي، ولا تشكيك يجحد.

سرّ النّجاح ودوام القرون

فلماذا نجح الشّرقيّ حيث تعثّر غيره، وكيف دامت زاويته خمسة قرون؟ لقد أدرك ما فات كثيرا من معاصريه: أنّ بقاء الزّاوية ليس بعصبيّة قبليّة ولا بحصن منيع، بل بلحمة القلوب وخدمة النّاس. لم ينازع السّلطان ملكه كما فعلت الدّلائيّة فأبيدت، ولم ينكفئ على خلوته فينسى؛ بل وقف في المنزلة بين المنزلتين، شيخا يطعم ويحكّم ويشفع، فصار للقبائل ملاذا وللمخزن جسرا. وإن كان الجزوليّ أستاذ الطّريق وصاحب «الدّلائل»، فإنّ الشّرقيّ كان مهندس العمران ومدبّر الجماعة؛ ولم يتّكئ — كبعض الزّوايا الكبرى — على وفرة الشّرف وسعة الأتباع وحدهما، بل على الخدمة وحسن الموقع بين القبائل والدّولة. ذلك التّوازن الدّقيق سرّ دوامه.

في الختام: عبقريّة الزّاوية

من «السّكون بعد الحركة» — كما في قولته المؤسّسة — نبتت مدينة أبي الجعد حول زاويته، حيث توفّي ودفن سنة 1010هـ (نحو 1602م) فصار ضريحه نواتها؛ لكنّ أبهى ما خلّف ليس الحجر بل الأثر في النّفوس. إنّ تجربة بوعبيد الشّرقيّ تلخّص عبقريّة الزّاوية المغربيّة في صورتها المثلى: تربية روحيّة تصنع الإنسان، وعمران يحيي الأرض، ووساطة اجتماعيّة تحقن الدّماء، وشرعيّة دينيّة تستند إلى الكتاب والسّنّة، وعلاقة بالدّولة قوامها التّوازن لا التّنازع. خمسة قرون، وما يزال موسمه يجمع النّاس حول ضريحه؛ كأنّ الرّجل قد علم أنّ البركة تبنى بالخدمة، وأنّ السّكون الحقّ ما جاء بعد الحركة.

مصادر المقال

ـ أحمد بوكاري، الزاوية الشرقاوية ـ زاوية أبي الجعد، ج1 (إشعاعها الديني والعلمي) وج2 (دورها الاجتماعي والسياسي)، مطبعة النجاح الجديدة.

ـ محمد بن عبد الكريم العبدوني، يتيمة العقود الوسطى في مناقب الشيخ سيدي محمد المعطى (تحقيق ودراسة).

ـ ومنقولات عن: «المرقي في مناقب الشرقي»، والناصري في «الاستقصا»، واليوسي في «المحاضرات».

✦ مشكاة النبوة

1 فكرة عن “سيّدي محمّد بن أبي القاسم الشّرقيّ «بوعبيد الشّرقيّ»”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top