
رجال النور — سلسلة في أعلام التصوّف المغربي
مفاتيح «حكومة الموتى»: قراءةٌ في سلطنة الأولياء بالمغرب الوسيط
كيف حكَم ثلاثةُ زهّادٍ بلداً قروناً بعد موتهم؟ تفكيكُ مقولةِ زرّوق في أبي يعزى والسبتي وابن مشيش
«ثلاثةٌ حكموا المغربَ بعد موتهم: أبو يعزى، وأبو العباس السبتي، وعبد السلام بن مشيش… إنّ أبا يعزى كراماتُه بعد مماته كمثل حياته»
شهِد الغربُ الإسلاميّ تحوّلاتٍ سياسيةً كبرى تداولت فيها العصبيّاتُ الحاكمة على عروش الحواضر، وسالت في سبيل الشرعية دماءٌ كثيرة؛ غير أن القراءةَ الظاهرية المكتفيةَ بحركات الجيوش ومراسيم السلاطين تظلّ قاصرةً عن إدراك ما حفِظ توازنَ المجتمع المغربيّ في كبرى أزماته. ومن هنا تكتسب مقولةُ الشيخ أحمد زروق (ت ٨٩٩هـ)، «محتسب الصوفية» — وقد حفِظها لنا اليوسي في «المحاضرات» — أهميةً استثنائية؛ فهي ليست شذرةً من المديح المناقبيّ، بل وضعُ يدٍ على قانونٍ بنيويٍّ أدار عمران المغرب قروناً. فلفظةُ «حكموا» تنزع عن الموت جمودَه الفيزيائيّ لترفع الوليَّ إلى رتبة «مؤسسةٍ رمزيةٍ مستمرّة» تدبّر حياة الأحياء من وراء كواليس التاريخ. فكيف يحكُم ثلاثةُ زهّادٍ بلداً قروناً بعد موتهم، بلا عرشٍ ولا جيشٍ ولا سلالة؟
سلطانٌ عموديّ في مواجهة سلطانٍ أفقيّ
السلطةُ السياسية (المخزن) «أفقيةٌ» هشّة، محكومةٌ بالقهر العسكريّ والعصبية الخلدونية وببيولوجيا الحاكم؛ تضعف بمرضه وتنتهي بموته، أو تتفتّت بظهور عصبيةٍ أقوى تنقلب عليها. أما سلطةُ الوليّ فـ«عمودية» متعالية على الزمن: حين يموت لا تنتهي سيادتُه بل تبدأ دورتُها الحقيقية، إذ يَستحيل الرمزُ من «شخصٍ» فانٍ محكومٍ بالحدود البشرية إلى «رمزٍ مطلقٍ مقدّس» عابرٍ للأجيال، لا يُحاصَر قبرُه ولا يُعزَل بمرسوم؛ فيغدو الضريحُ «فضاءً محمياً» خارج صراع القصور، باقياً بعد زوال السلالات.
هندسةُ الجغرافيا الروحية
ولم يكن انتقاءُ زرّوق لهؤلاء الثلاثة عبثاً، بل رسمَ بهم «شبكةَ أمانٍ مجاليّ» تغطّي البلاد: فأبو يعزى الأمّيُّ البربريُّ صمّامُ الوسط وعمقِه الأمازيغيّ المستعصي على الاختراق الإداريّ، يجسّد «إسلام الأرض والفطرة» وجسرَ الهامش البدويّ إلى مركز الأمة الوجدانيّ؛ والسبتيُّ قطبُ الجنوب والحاضرة، صاغ «مذهب الجود» آليةً لتدوير السيولة وحماية الهامش تَقي مراكشَ الانفجارَ الطبقيّ، حتى تحوّل سلاطينُ كيعقوب المنصور إلى خدّامٍ لزاويته؛ وابنُ مشيش حصنُ الشمال الشريف وحارسُ العقيدة، يجمع رمزيةَ «آل البيت» والتجريدِ المعرفيّ الخالص، ومن مغارته انبثقت الشاذلية عبر تلميذه الوارثِ لسرّه أبي الحسن الشاذلي. على أن هذا التوازن البديع قراءةٌ استعادية، لا خطّةٌ رسمها الثلاثة.
الضريحُ مؤسسةً بديلةً للدولة
وحين تغيب أجهزةُ المخزن في «بلاد السيبة»، تنقاد القبائلُ المتناحرة لا للسلطان بل لـ«حُرمة الشيخ»؛ فيغدو القبرُ حَرَماً يُحقَن فيه الدمُ وتُبرَم العهود، إذ النكثُ بعهدٍ عُقد بين يدي الوليّ انتحارٌ أخلاقيّ، فكان الضريحُ موضعَ تحكيمٍ وصلحٍ وضابطَ السلم الأهليّ. ومن الأوقاف والفتوح تُموَّل «موائدُ» تُطعم الآلافَ في المجاعات والأوبئة، فتقوم بوظائف الرعاية الاجتماعية وتحفظ التماسكَ البشريّ للبلاد حين تعجز ميزانياتُ الدول؛ وعبر التلاميذ — أبي مدين عن أبي يعزى، والشاذلي عن ابن مشيش — يظلّ سلوكُ الوليّ موجِّهاً للسوق والورشة. على أن الإنصاف يقتضي تمييزَ سِيَر الرجال عمّا تراكم حول أضرحتهم في طور «الزاوية» المتأخّر بقرون.
الكرامةُ رقابةً داخليةً رادعة
وتكشف العبارةُ الثانية المحرّكَ النفسيّ لهذا الحكم: فالوليُّ في الوعي الجمعيّ «حيٌّ في دار الحقّ» نافذُ التصرّف؛ فيعمل هذا الاعتقادُ نظامَ رقابةٍ داخليةٍ صارمة، يَحرس فيه الفردُ نفسَه من حيث لا رقيبَ ظاهر؛ إذ الخوفُ من «سَخْطته» ورجاءُ «بركته» سلطةٌ رادعةٌ تفوق إلزامَ القوانين وسيوفَ الجند: تمنع القويَّ من سحق الضعيف، وتُلجئ الخصومَ إلى الصلح والتوبة عند العتبة.
في الختام
وهكذا يتيح تفكيكُ مقولة زرّوق أن نقرأ تاريخ المغرب بعين المحقّق العلميّ لا المدّاح المنبهر: فالأولياء الثلاثة لم يكونوا رموزاً دينيةً معزولة، بل بنياتٍ رمزيةً ومؤسساتيةً حمت الهويةَ التاريخية والاجتماعية للبلاد عبر القرون. لقد صِيغت الشرعيةُ والسلمُ الأهليّ لا في الثكنات وحدها ولا بالمراسيم الأفقية العابرة، بل هُندِسا في قمم الجبال وأزقّة الأسواق وعتبات المقامات؛ حيث استقرّ «الموتى» في ذاكرة الروح والتراب ليدبّروا حياة الأحياء وصناعةَ سلامهم. ولعلّ هذه هي الخصوصيةُ التي جعلت المغربَ، عبر تاريخه، يُعرَف بحقٍّ بـ«بلاد الأولياء والصالحين».
وفي خلفية ذلك أصلٌ قرآنيّ راسخٌ يقرّر أن الولاية حياةٌ ممتدّة لا ينقطع أثرُها بموتٍ ولا قبر:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: ٦٢)
المصادر والإحالات المنهجية
١. الحسن اليوسي، «المحاضرات» — موضعُ مقولة زرّوق في الأقطاب الثلاثة.
٢. ابن الزيّات التادلي، «التشوّف إلى رجال التصوّف» (وفيه أخبار السبتي)، تحقيق أحمد التوفيق.
٣. ابن خلدون، «العِبَر» — في العصبية وحركات التنبّؤ بالغرب الإسلاميّ.
٤. أحمد زروق، «قواعد التصوف» و«شرح الحكم العطائية».
٥. أحمد التوفيق، دراساته في البنيات الروحية وهامش العمران؛.
حكومة الموت ؟!؟!!!..