
رِجال النّور · سلسلة في أعلام التّصوّف المغربيّ
الشيخ أبو شُعَيبٍ أيّوبُ السّاريَة
قائمُ اللّيلِ الذي خرّجَ قطبَ المغرب — دفينُ أزمّور (ت 561هـ)
مَن هو؟ الاسمُ واللّقب
على ساحلِ أمّ الربيعِ بين آسفي وأزمّور، نبتَ في القرنِ السّادسِ الهجريِّ الشيخُ أبو شُعيبٍ أيّوبُ بنُ سعيدٍ الصّنهاجيُّ الدُّكّاليُّ، المعروفُ بـ«مولاي بوشعيب السّاريَة»، فعاصرَ أفولَ المرابطينَ ومطلعَ الموحّدينَ. لُقِّب بالسّاريَة لأنّه كان إذا قامَ إلى الصّلاةِ أطالَ القيامَ حتى يَحسبَه الدّاخلُ إلى المسجدِ ساريةً منصوبةً، ويغيبُ عن الإحساسِ بمن حولَه من طولِ استغراقِه، حتى كلّف مؤذّناً يُنبّهُه عند الإقامةِ؛ وعُرِف في العامّةِ بـ«الرّدّاد» و«عطّاي العزّارى»، وهو من أشهرِ أولياءِ أزمّور .
النّشأةُ والتّعليمُ والرّحلة
لم تُثبِتْ المصادرُ الأولى تاريخَ مولدِه، وإنّما نشأ صنهاجيّاً بين قبائلِ دُكّالةَ التي عُرِفتْ بتوارثِ الصّلاحِ، وكان في ابتداءِ أمرِه معلِّماً للقرآنِ بقريةِ يَلَسْكاون، يتوكّأُ على عصاهُ قائماً لا يقعُدُ حتى ينصرفَ الصّبيانُ، ثمّ تصدّق بجميعِ ما اكتسبَه خوفَ التّقصيرِ في حقوقِهم. رحلَ في طلبِ العلمِ إلى أغماتَ وفاسَ، ويُقالُ إلى الأندلسِ، ثمّ آثرَ التّبتُّلَ فانقطعَ للعبادةِ حتى فُتِح عليه، وقيلَ إنّه بلغَ مقامَ الأبدالِ.
شيوخُه وسندُه الصّوفيّ
أخذ الطّريقَ عن جماعةٍ من الشّيوخِ، وعُمدتُه فيها أبو النّور ابنُ وَكْريس المُشترائيُّ الدُّكّاليُّ المعروفُ بسيدي بنّور، قال فيه ابنُ الزيّاتِ التّادليُّ: «تربّى به وتأدّبَ بآدابِه، ورضِعَ ثديَ معارفِه وأسرارِه، ففازَ منه بمعرفةِ ربِّه». وأخذ أيضاً عن عبدِ الجليلِ بنِ ويحلان الأغماتيِّ، ومحمدِ بنِ أمغار صاحبِ رباطِ تيطَ، والمنصورِ بنِ إبراهيمَ المَسْطاسيِّ دفينِ أزمّور. ويتّصلُ سندُه الصّوفيُّ — كما دوّنه الكانونيُّ — بالإمامِ أبي القاسمِ الجُنيدِ عبرَ أبي الحسنِ النّوريِّ والسّريِّ السّقطيِّ. وشهِد له أهلُ العلمِ بالتّفوّقِ في علمِ الظّاهرِ والرّسوخِ في علومِ القومِ، فجمعَ بين التّمكّنِ في الفقهِ والتّحقّقِ في الحالِ.
مقامُه في العبادةِ والورع
كان آيةً في الورعِ ومجاهدةِ النّفسِ: يتوقّى الشّبهاتِ في مطعمِه فلا يأكلُ زبيباً سُقيَ بماءٍ مشترَكٍ، ويُخرِجُ بيدِه ما رعتْه بقرتُه من فَدّانِ جارِه فيردُّها ويتصدّقُ بلبنِها؛ ويرمي بنفسِه في الوادي والبردُ شديدٌ يُعاتِبُ نفسَه ويقولُ: «إنّها نفسٌ خبيثةٌ»؛ وكانت دموعُه تقطُرُ على الحصيرِ كصوتِ وقعِ المطرِ من شدّةِ خشيتِه. ورُويتْ له في بابِ المناقبِ كراماتٌ أخرى، كإجابةِ دعائِه في فكاكِ أسرى من أيدي الرّومِ، وصلاتِه العيدَ بأغماتَ وحضورِه بأزمّورَ في حينِه على وجهِ طيِّ المكانِ. وكانت زاويتُه مأوى للمظلومينَ والخائفينَ والمرضى.
وليٌّ في قلبِ الدّولةِ والمجتمع
ولم يكنْ منقطعاً عن دنيا النّاسِ، بل رجلاً يعيشُ في قلبِها؛ يَرِدُ عليه الوافدونَ من الأندلسِ وتجّارُ مالقةَ وأصحابُ الحاجاتِ، حتى إنّه أدارَ لتاجرٍ مريضٍ مالَه في تجارةٍ رابحةٍ وحاسبَ عليها بدقّةٍ. قدِمَ مراكشَ بعد سنةِ 541هـ في مطلعِ الدّولةِ الموحّديّةِ؛ ويُروى أنّ عبدَ المؤمنِ بنَ عليٍّ استقدمَه فسألَه عن التّوحيدِ، فأجابَ عن كلِّ سؤالٍ بآيةٍ قرآنيّةٍ — بآيةِ الكرسيِّ ثمّ بسورةِ الإخلاصِ — محتجّاً بنصوصِ الوحيِ على طريقةِ السّلفِ لا بالتّنظيرِ الكلاميِّ، فهابَه الخليفةُ وأكرمَه، ثمّ لم يسألْ لنفسِه شيئاً إلا أن يُشفَّعَ في نساءِ عليِّ بنِ يوسفَ المرابطيِّ فيُطلَقْنَ. وقد رأى الدّكتورُ عبدُ الهادي التّازي أنّ وراءَ صورةِ الوليِّ الزّاهدِ بُعداً جهاديّاً واجتماعيّاً في مواجهةِ البُرغواطيّينَ ومساندةِ الوحدةِ المذهبيّةِ.
مدرستُه وأثرُه: أبو يعزّى والسّلسلة
غير أنّ أعظمَ أثرِه في تلامذتِه؛ فقد تكوّنتْ حولَه مدرسةٌ روحيةٌ ودائرةٌ من التّلامذةِ أرستْ تقليداً تربويّاً امتدّ في دُكّالةَ، وأخذ عنه خلقٌ من صنهاجةَ أزمّورَ وأصحابِها، منهم أبو حفصٍ عمرُ بنُ معاذٍ الذي أطعمَ المساكينَ في مجاعةِ 535هـ، ويحيى بنُ ميمونٍ الذي خدمَه إحدى عشرةَ سنةً، وأبو طالبٍ سالمُ بنُ يَلْبَخْت المُغيطيُّ. لكنّ أشهرَهم على الإطلاقِ الوليُّ أبو يعزّى يَلَّنُّور، خدمَه على السّاحلِ بين آسفي وأزمّورَ في مرحلةِ الطّلبِ والذُّلِّ ثمّ أذِن له فأسّس رباطَه، وبقيتْ بينهما صلةٌ بعدَ الفراقِ إذ كتبَ إليه أبو شعيبٍ: «استُرْ عبادَ اللهِ ولا تفضحْهم». وكان أبو يعزّى شيخَ أبي مدينَ الغوثِ، ومن المدرسةِ التي مثّلها أبو مدينَ تأثّرَ ابنُ عربيٍّ، كما أفادتْ منها المدرسةُ الشّاذليّةُ. فأبو شعيبٍ حلقةٌ أولى في سلسلةٍ ذهبيّةٍ صنعتْ وجهَ المغربِ الرّوحيّ.
الوفاةُ والمزار
توفّي بأزمّورَ يومَ الثّلاثاءِ العاشرَ من ربيعٍ الثّاني سنةَ إحدى وستّينَ وخمسِمائةٍ، ودُفِن بها، فصارتْ تُربتُه مزاراً يُتبرَّكُ بالدّفنِ فيه حتى دُفِن بجوارِه جِلّةٌ من الصّالحينَ، وأمرَ ببناءِ ضريحِه القائمِ السّلطانُ محمّدُ بنُ عبدِ الله، ولا يزالُ مزاراً كبيراً إلى اليومِ. وقد نسجتِ الذّاكرةُ الشّعبيّةُ حولَه أسطورةَ حبٍّ مع «لالّا عائشةَ البحريّةِ» لا أصلَ لها في التّاريخِ. ويبقى معناه الأكبرُ: أنّ السّماءَ لا تنظرُ إلى الحرفِ بقدرِ ما تنظرُ إلى القلبِ، وأنّ راعياً للقرآنِ صار مدرسةً تخرّجَ منها الأقطابُ.
المصادر
1. ابن الزيّات التادلي، «التشوف إلى رجال التصوف»، تحقيق أحمد التوفيق.
2. محمد الكانوني، «البدر اللائح» و«جواهر الكلام في تراجم الرجال».
3. عبد الوهّاب بن منصور، «أعلام المغرب العربي».
4. عبد الهادي التازي، «أزمّور مولاي بوشعيب»، مجلة المناهل، عدد 35 (1986).
5. عبد العزيز بن عبد الله، «معلمة التصوّف الإسلامي».
✦ مشكاة النبوة