في مقاصد المريدين:

بعضُهم طَلَبَ اللهَ، وبعضُهم طَلَبَ السكينةَ، وبعضُهم طَلَبَ نفسَه

ليست الطريق رابطة تعقد، ولا انتسابا يكتب، ولا مجرد حلقة ذكر يحضرها المرء في موعدها. الطريق في حقيقتها قصد يقوم في القلب، ويتحرك به السالك في خطاه. ولأن القصد خفي، تشترك الأقدام في المسير وتختلف الوجهة في الباطن.

ومن هنا كان أول ما تعالجه التربية تنقية النية، لا تكثير العمل.

وقد عرف الصوفية أن المريدين على درجات في قصدهم، وأن ما يدفع السالك إلى صحبة الشيخ ليس واحدا في كل القلوب. فمنهم من توجه إلى الله، ومنهم من توجه إلى راحة نفسه، ومنهم من توجه إلى منفعة يطلبها.

والثلاثة في ظاهر السلوك سواء، وفي حقيقة القصد متباينون. وتمييز هذه الأقسام ليس تصنيفا للناس من خارج، بل سؤال يطرحه السالك على نفسه: ما الذي حملني إلى الطريق؟

مريد الحق

مريد الحق هو الذي قصد بالطريق ربه لا غيره. ولم يكن انخراطه في الصحبة بحثا عن سكون في النفس، ولا عن مكانة في الناس، وإنما بحثا عما يقربه من الله. والعلامة التي تفصله عن سواه ليست في كثرة أوراده، ولا في حفظه لأقوال القوم، بل في موقفه من المجاهدة. فإذا اشتد السلوك صبر، وإذا قدم ميزان الشرع على ميزان النفس اختار ميزان الشرع. وإذا وضعت في الكفة الواحدة راحته، وفي الأخرى الحق، رجح الحق ولو ثقلت الكفة على قلبه.

هذا هو المريد الذي قصده الإمام زروق في القاعدة الحادية عشرة من قواعد التصوف، حين عد الأول من أهل التصوف “ذا توجه صادق”، ثم قابله بمن سماه “طالبا معرضا” أو “مصمما على تقليد أكابر من عرف في الجملة”.

فالتوجه الصادق هو الأصل، وما عداه إما تكميل له أو خروج منه.

مريد الطمأنينة

وهذا أدق الأقسام وأخطرها، لأنه يلتبس بالحق التباسا شديدا. فالسكينة في الطريق نعمة عظيمة، وقد جعلها الله ثمرة من ثمار الإيمان. لكن الفرق بين أن تكون السكينة ثمرة للسلوك، وأن تكون مقصودة منه، فرق يفصل بين السلوك والاحتيال على النفس.

مريد الطمأنينة لم يأت إلى الطريق ليتعرف على الله، بل ليسكت ضجيجه الداخلي. وجد في الذكر ما يهدئ قلقه، وفي الجماعة ما يدفع عنه وحشته، وفي صورة الشيخ ما يملأ فراغه. فأصبحت الصحبة علاجا، والورد مسكنا، والانتماء مأوى. وحينما يكون هذا هو القصد، تصير كل مساءلة للطريق تهديدا، وكل سؤال صادق عدوا، لأن السائل يهز السقف الذي يحتمي به.

ولهذا قال أهل المعرفة بالنفس: السكون غير السكينة. فالسكينة تنزل من الله بعد مجاهدة، وتكون مع الحق. أما السكون فقد يصنع من الاعتياد والمألوف، وقد يكون مع الباطل ما دام لم يحرك شيئا من راحة صاحبه. وآفة هذا المريد أنه لا يعلم أنه يطلب النفس بصورة الحق، فيظن أنه ساكن إلى الله وهو ساكن إلى نفسه.

والعلامة التي تفصله عن مريد الحق هي رد فعله عند المساءلة. فمريد الحق يرحب بما ينفعه ولو هز راحته، ومريد الطمأنينة يتشبث براحته ولو على حساب الحق.

ذاك يؤثر الصدق على الاستقرار، وهذا يؤثر الاستقرار على الصدق ويسميه تسليما.

مريد المصلحة

أما الثالث فهو أظهر الأقسام، وأقلها التباسا، وأقلها بحثا عن نفسه. هو الذي جعل الطريق سلما إلى جاه، أو شبكة من المنافع، أو بركة يتوسل بها إلى مقاصد دنيوية. لا ينكر على الشيخ شيئا، لأنه لا ينتظر منه تربية ولا تزكية، وإنما ينتظر منه خدمة. ولا يهتم بصحة مأخذ ولا بسلامة منهج، ما دامت المنفعة قائمة.

ومن هذا الصنف من يتخذ الانتساب إلى الطريقة زينة اجتماعية يتميز بها بين الناس، أو يستظل بظل شيخ مشهور ليدخل نفسه في زمرة المختارين. وفيه يصدق قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23] ، إذ ما اتخذ من الطريق إلا ما يوافق هواه، وأما ما يكلفه شيئا من نفسه فلا حاجة له به.

المحنة كاشفة المقاصد

ما دامت الطريق في عافيتها، والشيخ على عرشه، والصورة الجامعة ثابتة، فالأقسام الثلاثة تتشابه تشابها يكاد يكون تاما. أوراد واحدة، حضور واحد، لباس واحد في الباطن كما هو واحد في الظاهر. لكن هذه العافية خادعة، لأنها لا تميز القصد، وإنما تغطيه.

والذي يفصل الأقسام ويكشف كل مريد على حقيقته هو المحنة. ومن أعظم المحن في تاريخ الطرق ما يقع عند انتقال الشيخ إلى الرفيق الأعلى، وقد كان التعيين بالوصية على غير أهله، أو لم يكن الموصى له على قدر الأمانة التي حملها. فالوصية ليست ضمانا للأهلية، والإرث الروحي لا ينتقل بالكتابة وحدها، بل يعرف بالأثر: بما يحدثه في القلوب، وبما يورثه من حال في الطريق، وبما يستقر على يديه من ميزان في الصحبة.

عند هذه المحنة تفترق المقاصد افتراقا حادا.

أما مريد الحق، فلا يسأل أين الراحة، ولا أين بقي معظم الناس، بل يسأل أين الحق، فيتبعه ولو في طريق ضيق، وفي صحبة قليلة، وفي قطيعة مع ما اعتاده.

لا يهمه أن يخرج من الجماعة المألوفة إذا تبين أن الحق ليس فيها، لأنه ما جاء للجماعة أصلا، إنما جاء لله.

وأما مريد الطمأنينة فيبقى حيث بقي السقف قائما ولو كان متصدعا. لا يريد أن ينظر في الأساس، لأن النظر ينذر بالانهيار، والانهيار يهدم سكينته. فيختار أن يغمض عينه عما يهزه، ويسمي ذلك تسليما، وهو في الحقيقة إيثار للنفس على الحق. وقد يدعو إلى الصمت، ويصف السائل بالخروج على الجماعة، لأن كل سؤال يذكره بأن سكونه قد يكون على باطل.

وأما مريد المصلحة فيبقى حيث بقيت المصلحة. ينتقل معها إذا انتقلت، ويستقر معها إذا استقرت. وهو أصرح الأقسام في موقفه، لأن معياره واضح: ما ينفعه. ولا يدعي غير ذلك في قرارة نفسه، وإن ادعاه في ظاهر كلامه.

خاتمة

السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السالك على نفسه ليس: إلى أي قسم ينتمي فلان من إخوانه؟ وإنما: ما الذي يحركني أنا في هذه اللحظة؟ هل أنا متعلق بالحق أم بالراحة؟ هل أتبع الميزان الشرعي أم ميزان المألوف؟ هل أرحب بما يهذبني ولو شق علي، أم أتشبث بما يسالمني ولو سكنني على وهم؟

والتربية الصادقة ليست في إنكار هذه الأقسام في النفس، فهي مجتمعة في كل سالك بنسب متفاوتة، وإنما في تنقية نسبة الحق حتى تغلب على ما سواها. وتلك مجاهدة العمر.

✦ مشكاة النبوة

Voir moins

فكرتين عن“في مقاصد المريدين:”

  1. يقول الرسول (ص): “إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
    شكرا سيدي عبد الفتاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top