‏أبو مدين الغوث: الأُمّيُّ علّمه، فعلّمَ الأُمّة

‏شيخُ الغرب الإسلاميّ ومعلّمُ المعلّمين — في رحاب التصوّف

‏في خطّ النور المغربيّ رجالٌ كانوا أعلاماً، ورجالٌ كانوا مفاتيحَ يُفتَح بها بابُ جيلٍ بأكمله. وأبو مدين شعيب من الصنف الثاني النادر: عُقدةٌ في الخيط، عندها يلتقي ماضٍ ومستقبل؛ مِن خلفه باديةُ الأطلس وأمّيُّها أبو يعزى، ومِن أمامه أقطابُ الشاذلية الذين غمروا المشرقَ والمغرب. ومفارقتُه أنّ أمّيّاً لا يقرأ ولا يكتب صار أصلَ طريقته، فخرج من مدرسته «معلّمُ المعلّمين».

‏من إشبيلية إلى جبل أبي يعزى

‏وُلد بقطنيانة من حوز إشبيلية نحو 509هـ، يتيماً راعياً للغنم، تتوق نفسُه إلى صلاةٍ لا يُحسنها وقرآنٍ لا يحفظه؛ ففرّ إلى المغرب طالباً للعلم، حافياً بلا زادٍ، يقول: «رِكوتي الذِّكر وعصايَ التوحيد». فلزم فاسَ وشيوخَها، وقرأ «الرعاية» على ابن حِرزِهم، وأخذ الحديثَ حتى عُرف بحفظ جامع الترمذيّ. ثم صعِد إلى جبل أبي يعزى، فامتحنه الشيخُ ثلاثاً بالجوع والإعراض ليكسر فيه زهوَ علم الرسوم؛ فلمّا انكسرت نفسُه ومرّغ وجهه في موضع جلوسه فَقَد بصرَه وبات يبكي، حتى مسح الشيخُ عينيه فردّ اللهُ عليه بصرَه وبشّره بما سيكون. وإلى أبي يعزى نسب طريقتَه:

‏«طريقتُنا أخذناها عن أبي يعزى، بسنده إلى الجنيد… إلى الحسن البصريّ… إلى عليٍّ رضي الله عنه». الأمّيُّ علّمه، فحمل هو ما تعلّمه إلى الأمّة. وكان مع تجريده دقيقَ العقيدة في تنزيهه، يقول:

‏«اللهمَّ نوحّدُك ولا نحدُّك، ونؤمنُ بك ولا نكيّفُك، ونعبدُك ولا نشبّهُك».

‏بجايةُ: مدرسةٌ بلا جدران

‏استوطن بجاية، وبها تزوّج وأنجب ولدَه مدين فكُنّي به، وأقام في جامعها واعظاً مربّياً حتى عُدّ شيخَ المغرب، وتخرّج على يديه نحوُ ألفِ تلميذٍ قيل ظهرت على يد كلٍّ منهم كرامة. لم يعتزل في غار، بل كان في موكب المجتمع، مبسوطاً بالعلم مقبوضاً بمجالسة الخلق، يجمع الشريعةَ والحقيقة. ومن أجمع قانونه في السلوك أنّ من صدق المريد انقطاعَه عن الخلق، ثم وجودَه للحقّ، ثم رجوعَه إلى الخلق لإرشادهم. وكان يأمر بصحبة الصادقين عملاً بقوله تعالى:

‏﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾

‏(الكهف: 28). وفي هذا المعنى رائيّتُه التي شرحها ابنُ عطاء الله ونظم ابنُ عربيّ تخميسَها:

‏ما لذّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفُقَرا ··· هُمُ السلاطينُ والساداتُ والأُمَرا

‏رجلٌ خافته الدولة

‏لمّا كثُر أتباعُه خافه علماءُ الظاهر، فسعى به أبو عمر الحبّاك عند يعقوب المنصور الموحّديّ زاعماً أنّ له «شبهاً بالمهديّ»؛ ولم تكن دولةٌ قامت على دعوى المهديّ ابنِ تومرت لتحتمل زعامةً جامعةً للقلوب. فاستُدعي من بجاية، وحُمل شيخاً ضعيفاً حتى بلغ العبّادَ بنواحي تلمسان، فقال: «مليحٌ للرُّقاد»، ومرض فاستقبل القبلةَ وتشهّد، وكان آخرَ كلامه: «اللهُ الحيّ»، ثم فاضت روحُه سنةَ 594هـ قبل أن يصل إلى السلطان.

‏سرٌّ يعبُر القرون

‏لم يؤسّس طريقةً باسمه، لكنّ مدرسته «المدينية» كانت نبعاً. اتّصل بها سندُ عبد السلام بن مشيش — وراثةً بالواسطة عبر أصحابه والشيخ المدنيّ الزيّات، لا بملازمةٍ ثابتة — ومن ابن مشيش أخذ أبو الحسن الشاذليّ، فعمّت الشاذليةُ الآفاق. ولقّبه ابنُ عربيّ «معلّمَ المعلّمين» وعدّه شيخَه في الباطن وإن لم يلقَه في اليقظة؛ وبلغ أثرُه مصرَ والحجازَ بل حضرموت. والرجلُ الذي خافته السلطةُ حيّاً بنى له المرينيّون بعد قرنٍ ونصفٍ بالعبّاد أبهى مسجدٍ ومدرسةٍ، حتى قيل: يكفي تلمسانَ فخراً أن يكون بها مدفنُه.

‏في الختام

‏هكذا يقف أبو مدين عُنقَ الساعة الرملية في تاريخ التصوّف المغربيّ: استقبل نورَ الفطرة من أمّيّ الجبل، فصاغه علماً وأدباً وسلوكاً، وسلّمه إلى جيلٍ حمله إلى العالم. ربح بالخسارة: مات غريباً في الطريق، فكان موتُه الغريبُ عينَ بقائه؛ ومن مدرسته بلا جدران ما زال نهرُ النور يجري.

✦ مشكاة النبوة

المصادر والمراجع

1.  التشوّف إلى رجال التصوف لابن الزيّات (لأخبار شيوخه بالمغرب كأبي يعزى وجيله).

2.  عنوان الدراية للغُبرينيّ (لأخباره وتدريسه وتلاميذه في بجاية).

3.  أنس الفقير وعز الحقير لابن قنفذ (لتفاصيل رحلته ووفاته بالعبّاد).

4.  ديوان أبي مدين الغوث (ويضم قصائده ورائيته الشهيرة “ما لذة العيش”).

5.  شرح الرائية لابن عطاء الله السكندري (الذي يشرح فيه آداب صحبة الفقراء).

6.  روح القدس في مناصحة النفس لابن عربي (الذي يلقبه فيه بـ “معلم المعلمين”).

7.  شيخ الشيوخ أبو مدين الغوث للشيخ عبد الحليم محمود (أشمل دراسة حديثة لملخص حياته وطريقته).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top