
في رحاب التصوّف — ميزان السلوك
شِتاءُ القَلْب
فِقهُ القَبْضِ والبَسْطِ ومِحنةُ الفُتورِ في مسارِ السُّلوك
يكتبُ إليَّ سالكٌ صادقٌ يشكو حالاً يعرفُها كلُّ من وضعَ قدمَه على الطريق: كان قيامُ الليلِ ينسابُ سَلِساً، والوِردُ يُقبِلُ عليه القلبُ ببهجة، ثم انطفأَت الشُّعلةُ فجأةً؛ صار الفجرُ ثقيلاً، والذِّكرُ بارداً، وطرَقَ الشكُّ بابَه: «لو كانت الطريقُ حقّاً لَما وجدتُ هذا الفراغ». فهل الجفافُ طردٌ من الرحمة؟ أم بابٌ من أبوابِ التربيةِ لا يُفتَحُ إلا للصادقين؟ اطمئنَّ؛ فما تمرُّ به ليس شذوذاً، بل حالٌ معروفٌ فصَّلَه العارفون.
قانونُ التعاقُب: القبضُ والبَسط
القلبُ لا يسيرُ على وتيرةٍ واحدة، بل يتقلَّبُ بين بَسْطٍ ينشرحُ فيه الصدرُ للطاعة، وقَبْضٍ يعتريه فيه ضِيقٌ وجفاف؛ يتعاقبان تعاقُبَ الليلِ والنهار:
﴿يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾
قال القُشيريُّ في «الرسالة»: «القبضُ والبَسطُ حالتانِ بعد ترقِّي العبدِ عن الخوفِ والرجاء». ورتَّبَ القومُ الأحوال: فالخوفُ والرجاءُ للمؤمنين، والقبضُ والبَسطُ للسائرين، والهيبةُ والأُنسُ للعارفين. وجمعَ الجُنيدُ الأمرَين فقال: «الخوفُ يَقبِضُني، والرجاءُ يَبسُطُني». فأنتَ في القبضِ تُساقُ في مدارجِ السائرين لا في مَهاوي المطرودين.
لِمَ يَقبِضُك؟
يقول ابنُ عطاءِ الله: «بَسَطَكَ كي لا يُبقِيَكَ مع القَبْض، وقَبَضَكَ كي لا يَترُكَكَ مع البَسْط، وأخرجَكَ عنهما كي لا تكونَ لشيءٍ دونَه». فالفراغُ ليس عقوبةً بل تربية: ففي البَسطِ قد يعشقُ السالكُ «الحالَ» ولذَّةَ العبادةِ بدلاً من ربِّ العبادة، فيَقبِضُه اللهُ ليَرُدَّه من عبادةِ الذوقِ إلى عبادةِ الحق. ولذا نبَّهوا أنَّ البَسطَ أخطرُ من القبض؛ قال: «العارفونَ إذا بُسِطوا أخوَفُ منهم إذا قُبِضوا»، ومن كلامِ القوم: «البَسطُ مَزَلَّةُ أقدام»؛ لأنَّ النفسَ تأخذُ حظَّها من الفرح، ولا حظَّ لها في القبض.
قَبْضُ التربيةِ وقَبْضُ العقوبة
لكنْ ليس كلُّ جفافٍ ابتلاءً محموداً؛ فقد يكونُ أثرَ غفلةٍ أو ذنب: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. والفَرقُ بيِّن: قبضُ التربيةِ يزيدُك افتقاراً إلى الله وتعلُّقاً ببابِه، وقبضُ العقوبةِ يزيدُك بُعداً وتسويفاً وإصراراً. فتفقَّد قلبَك؛ لئلا تُبرِّرَ كلَّ فتورٍ بأنه «قبضٌ» محمود.
الشكُّ في أصالةِ الطريق
حين يحلُّ الجفافُ تُسارِعُ النفسُ إلى تبريرٍ ماكر: «لو كانت الطريقُ حقّاً لَما شعرتُ بهذا الفراغ». وهذا من تلبيساتِ الوسواس. فأصالةُ الطريقِ لا تُقاسُ بحرارةِ مشاعرِك، بل بأركانِها من الكتابِ والسنة. فإذا كان المنهجُ قائماً على تصحيحِ العقيدةِ ولزومِ الشريعةِ وتزكيةِ النفس، فإنَّ الفتورَ لا يكونُ دليلاً على فسادِ الطريق، وإنما هو من سُننِ السيرِ إلى الله؛ ثَغرةٌ يستغلُّها الوسواسُ في لحظةِ تَعَبِك المؤقَّت.
عبادةُ الحقِّ لا عبادةُ الذوق
في الإقبالِ تعبُدُ اللهَ ذوقاً وشوقاً، والأمرُ سهلٌ ممتِع. أما في القبضِ فمجاهدتُك نفسَك على الفريضةِ وأدنى الأورادِ من «جهادِ النفس». فالعبادةُ في زمنِ الجفافِ مجرَّدةٌ من حظوظِ النفس، خالصةٌ لوجهِ الله، ولذلك يراها العارفونَ أرفعَ مقاماً في تحقيقِ العبودية؛ فليست العِبرةُ بلذَّةِ الطاعة، بل بدوامِها على القبضِ والبَسطِ جميعاً.
فِقهُ الخُطواتِ الصغيرة
رسمَ الشرعُ لهذه المرحلةِ فِقهاً رفيقاً؛ قال ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ»؛ فالحديثُ لا يُبارِكُ الفتور، لكن يَحُدُّه بالسُّنَّة.
حديث صحيح؛ أخرجه أحمد وابن حبّان في صحيحه، وصحّحه غير واحد من أهل العلم.
وعلى هذا جرى أثرُ عمر: «إنَّ لهذه القلوبِ إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلَت فخُذوها بالنوافل، وإذا أدبرَت فألزِموها الفرائض». فمن الفقهِ ألا تُكلِّفَ نفسَك في القبضِ ما تُطيقُه في البَسط:
أثرٌ موقوفٌ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مرويٌّ في كتب الرقائق والسلوك.
◆ خطواتٌ صغيرة: إن ثَقُلَ القيام، فرُبعُ ساعةٍ قبلَ الفجرِ لركعتَين واستغفار؛ فقليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ منقطِع.
◆ لا تترُكِ الوِردَ ولو باللسان: «لا تترُكِ الذِّكرَ لعدمِ حضورِك مع الله فيه، لأنَّ غفلتَك عن وجودِ ذِكرِه أشدُّ من غفلتِك في وجودِ ذِكرِه».
◆ الزَمِ الصُّحبةَ ومجالسَ الذكرِ الجماعية — كحلقاتِ «الوظيفة» و«الليلة» في الطرق — فطاقةُ الجماعةِ ترفعُ الهِمَّةَ حين تخبو.
في الختام: مِن الفُتورِ إلى الثبات
فالعبرةُ ليست في ألا تُصيبَك فترة، بل في ثباتِك على البابِ حين تُصيبُك. الفتورُ محطةُ تَمحيصٍ لتُدرِكَ فقرَك، وأنك لا تقفُ بقوَّتِك بل بمَدَدِ الله. فاثبُت على أدنى الوِرد، والزَمِ الفرائض، ولا تُطلِّقِ البابَ في ليلِ القبض؛ فالوصولُ لِمَن دام، لا لِمَن اشتعلَ ثم انطفأ.
المصادر والإحالات
• القرآن الكريم: سورة الحديد، الآية 6؛ وسورة المطفّفين، الآية 14.
• الحديث: «إنَّ لكلِّ عمَلٍ شِرَّةً، ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً…» — أخرجه أحمد وابنُ حبّان في صحيحه وابنُ خزيمة والطبراني، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ حديثٌ صحيح، صحّحه غيرُ واحدٍ من أهل العلم (منهم الأرناؤوط والألباني).
• الأثر: «إنَّ لهذه القلوبِ إقبالاً وإدباراً…» — أثرٌ موقوفٌ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مرويٌّ في كتب الرقائق والسلوك.
• حِكَم ابن عطاء الله السكندري: «بَسَطَكَ كي لا يُبقِيَكَ مع القبض…»، و«العارفونَ إذا بُسِطوا أخوَفُ منهم إذا قُبِضوا»، و«لا تترُكِ الذِّكرَ لعدمِ حضورِك…» — من «الحِكَم العطائية» بشروحها (زرّوق، وابن عبّاد الرندي، وابن عجيبة في «إيقاظ الهمم»). و«البَسطُ مَزَلَّةُ أقدام» من كلامِ القوم المرويِّ في الشروح.
• القُشيري: تعريفُ القبضِ والبَسط وتراتُبُ الأحوال (الخوف والرجاء للمؤمنين، القبض والبسط للسائرين، الهيبة والأنس للعارفين) — «الرسالة القشيرية».
• الجُنيد: «الخوفُ يَقبِضُني، والرجاءُ يَبسُطُني…» — منقولٌ في مصادرِ أقوالِه (الرسالة القشيرية، واللُّمَع للسرّاج).
✦ مشكاة النبوة