
رِجال النّور · سلسلة في أعلام التّصوّف المغربيّ
سيدي أبو عثمان الحنصالي
مجدِّد الطريقة الحنصالية ورباطِ الأطلس العابرِ للحدود
في هوامش خريطة الزوايا المغربية الكبرى تنتصب زاويةٌ جبليّةٌ نائيةٌ في عمق الأطلس الكبير الأوسط، انبثقت من قريةٍ معزولةٍ على ضفّة «أسيف نُوحْنْصال»، ثمّ تفرّعت حتى بلغت حواضر المغرب، وعبرت الحدود الشرقية لتُنشئ فروعًا حيّةً في الجزائر العثمانية. واسمُها مأخوذٌ من كنية مؤسّسها الأوّل، ولفظُ «أحنصال» أمازيغيٌّ يُرَدّ إلى شدّة التحصيل. وقد جمعت الزاوية ثلاثة أوجُهٍ نادرًا ما تلتقي: رباطًا جبليًّا يُطعم الطعام ويفضّ النزاع، وطريقةً شاذليّة المشرب، وظاهرةً اجتماعيّةً جعلها الأنثروبولوجيون نموذجًا لدراسة «الصلاح» في المجتمعات القبلية.
مؤسِّسان لا واحد
عمادُ فهم الزاوية أن نفرز طبقاتها الزمنية منعًا للّبس. فمؤسّسها الأوّل هو دادّا سعيد الكبير (أحنصال)، صاحب الحلف الأسطوريّ مع أيت عطّا، وزمنُه متنازَع: تجعله الرواية المغربية مريدًا لأبي محمد صالح الماجري (ت 631هـ)، ويجعل جِلنر وصولَه نحو 800هـ؛ والأرجح أنّ نسبته المباشرة إلى الشيخ من «رفع السند» التبرّكيّ لا من التاريخ المحقَّق. ومن أدلّة حضورها الوثائقيّ المبكر ــ حتى في قرون خمولها المزعوم ــ وثيقةٌ عقاريّةٌ وقّعها الحفيدُ سيدي لحسن أوعثمان سنة 1006هـ توزّع الأراضي والمراعي، فهي فعلُ حفيدٍ لا الجدّ. أمّا الباعث الحقيقيّ للطريقة فهو المجدّد أبو عثمان سعيد بن يوسف، من أهل القرن الحادي عشر الهجري.
المجدِّد والإرث الدلائيّ
جاب المجدّد الأمصار طالبًا للعلم: فاسًا، والأزهرَ حيث تلقّى المنظومة الدمياطية في أسماء الله الحسنى، وتامكروتَ حيث أخذ الشاذلية عن محمد بن ناصر. ثمّ لزم شيخه عليّ بن عبد الرحمن الدرعي حتى تُوفّي سنة 1091هـ/1680م، فورث عنه زاوية واويزغت وطريقتَه وإرثَه معًا: علاقاتٍ ممتازةً بأيت عطّا، ومصاعبَ مع المخزن، وتعلّقًا بذكرى الزاوية الدلائية المنكوبة ــ حتى عدّ باحثون الحنصاليةَ امتدادًا للتيّار الدلائيّ. وتُوفّي المجدّد نحو سنة 1114هـ/1702م، ومكانُ دفنه ملتبسٌ رجّحه الباحثون بأيت مضريف، وصفه الإفراني بقوله:
«فقيهًا ناسكًا سالم الطويّة، طاف الأرض لملاقاة المشايخ شرقًا وغربًا».
وردٌ مركّب ومشربٌ زاهد
وردُ الحنصالية شاذليّ السند من طريقين، مشرقيٍّ ومغربيّ، فجاء مركّبًا من شطرين: شطرٍ أسمائيّ قوامه الدعوة الدمياطية في خواصّ الأسماء، وشطرٍ آخر قوامه الصلاة على النبيّ على طريقة الجزولي مع الاستغفار والتهليل. وهذا التركيب مرآةُ سيرة صاحبه، إذ عبَر المشرق والمغرب معًا، فحمل من مصرَ علمَ الأسماء، ومن المغربِ الإكثارَ من الصلاة على النبيّ. وروحُه الورع والزهد و«الوقوف مع ظاهر الشرع»، فكان شيوخُها حكّامًا بالبركة لا بالمال.
بين الأرشيف ونقد جِلنر
كشفت وثائق أرشيف تنغملت التي حقّقتها ماگالي مورسي أنّ الدولة الإسماعيلية خاطبت الزاوية مخاطبة النِّدّ: ففي رسائلَ وظهائرَ مؤرّخة (منها رسالة صفر 1114هـ/1702م) يناشد خليفةُ مولاي إسماعيل سيدي سعيدًا أن يكبح غارات أيت عطّا، معترفًا بأنّهم «يطيعون أوامرك». وقرأ عبد الله حمّودي هذه الوثائق ليردّ على أطروحة جِلنر القطاعية: فالمجتمع الأطلسيّ مُتراتبٌ لا متساوٍ (إيمازيغن، وإيكرامن، وإيحرّادن)، والوليّ ليس حَكَمًا محايدًا فوق الصراع، بل فاعلٌ في شبكة الهيمنة يشتغل على مستويين: محلّيٍّ تحكيميّ، ووطنيٍّ مغامرٍ ــ كما فعل يوسف بن سعيد حين ثار على مولاي عبد الله بن إسماعيل (1732ـ1733م). ويبقى لجِلنر فضلُ الوصف الدقيق لوظيفة البركة والتحكيم، وإن تصدّع إطارُه النظريّ تحت وطأة الوثيقة.
من الأطلس إلى الحواضر ثمّ قسنطينة
لم تقنع الحنصالية بإشعاعٍ محلّيّ، فأنشأت فروعًا حضريّةً بمراكش والرباط وفاس ومكناس وتطوان. ثمّ عبرت الحدود الشرقية: حملها إلى الجزائر سعدون الفرجيوي، وأكسبها أحمد الزواوي شهرةً، حتى بلغت في أواخر القرن التاسع عشر ثماني عشرة زاويةً ونحو ثلاثة آلافٍ وخمسمائةٍ من الإخوان، مركزُها قسنطينة وجبل شطّابة، ووُصفت هناك بأنّها مزيجٌ بين الشاذلية والرحمانية. ومن أعلامها أحمد بن المبارك الحنصالي، صاحب «نصيحة الإخوان» و«تاريخ حاضرة قسنطينة». وفي المغرب قادت السلالةُ مقاومةً للاستعمار (1916ـ1923م)، خُتمت بالمقاوم أحمد الحنصالي الذي أُعدم رميًا بالرصاص سنة 1953م.
في الختام: زاويةٌ على مفترق الرمز والتاريخ
تختبر الحنصاليةُ مناهجَ البحث عند حدودها، إذ يتقاطع فيها خطابُ المناقب الشفهيّ، وخطابُ التراجم المكتوب، وخطابُ الأرشيف والعلوم الاجتماعية. ومن أنصفها ميّز مؤسّسها الأوّل من مجدّدها، وقرأ الرواية ذاكرةً لا وثيقة، فأبصر في عزلة الجبل طرفًا غير قليلٍ من روح التصوّف المغربيّ: الورعَ، وإطعامَ الطعام، وحفظَ السِّلم.
أهمّ المصادر والمراجع
1. محمد بن الطيب القادري، «نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني».
2. محمد الصغير الإفراني، «صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر».
3. أحمد عمالك، مادّتا «زاوية أحنصال» و«واويزغت»، ضمن «معلمة المغرب».
4. Magali Morsy, «Les Ahansala» (بالاعتماد على وثائق أرشيف زاوية تنغملت).
5. Ernest Gellner, «Saints of the Atlas» (London, 1969).
6. عبد الله حمّودي، «الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والولاية: تأمّلات حول مقولات كيلنير»، تعريب محمد الأمين البزاز وعبد العزيز التمسماني خلوق، مجلّة «دار النيابة»، العدد 5.
7. عبد المنعم القاسمي الحسني، «أعلام التصوّف في الجزائر» (دار الخليل القاسمي، 2006).
✦ مشكاة النبوة
رحم الله جميع آل أحنصال