‏سيدي عبد العزيز الدبّاغ  : ‏الأُمِّيُّ الذي أَمْلى على العلماء

خلاصةٌ في السيرة والمقامات والأثر

‏المفارقة المؤسِّسة

‏في مقبرة القِباب، خارج باب الفتوح بفاس، يرقد رجلٌ لم يقرأ كتابًا قطّ، ولم يجلس بين يدي عالم، ولم يحفظ في صباه إلا بعض سور حزب سبّح. ومع ذلك فإنّ أضخم ما دُوِّن في التصوّف المغربي خلال القرن الثاني عشر للهجرة إنما هو تدوينٌ لكلامه، خطّه بيده أحدُ أكبر فقهاء عصره، رجلٌ صرّح لنفسه بالاجتهاد المطلق وكان لا يكاد يُذعن لأحد.

‏النسب والمولد والسياق

‏هو أبو فارس عبد العزيز بن مسعود الدبّاغ الحسني الإدريسي الفاسي؛ و«الدبّاغ» نسبةُ أسرةٍ مغربية أندلسية عريقة لا نسبةُ حرفة. وُلد بفاس سنة 1095هـ على المشهور — وحدّده تلميذه المرابطي بعشيّة السبت الحادي عشر من صفر — وقيل سنة 1090هـ، وهو ما رجّحه برند رادتكه وجون أوكين. عاش في عهد السلطان المولى إسماعيل، حين كانت الدولة قد قلّمت أظافر الزوايا الكبرى، فبرزت صيغةُ الشيخ الفرد الذي يُربّي بالصحبة والنظر لا بالتنظيم والهيكلة. ولذلك لم يُنشئ الدبّاغ زاويةً، ولا طريقةً ذات أوراد وسلسلةٍ ومقدَّمين.

‏البِشارة والحيرة والفتح

‏أخبر الوليّ سيدي العربي الفشتالي والدَيه قبل أن تحمل به أمّه، وأودع عندهما أمانةً — شاشيةً وحذاءً — دُفعت إليه عند بلوغه. يقول: «منذ لبستُ الأمانة التي أوصى لي بها سيدي العربي الفشتالي، ألقى الله في قلبي التشوّف إلى العبودية الخالصة». فبقي اثنتي عشرة سنة (1109–1121هـ) يتنقّل بين الشيوخ: «فإذا شَيَّخْتُه ودُمتُ على أوراده مدّةً يضيق صدري ولا أرى زيادة، فأتركه… فبقيتُ متحيّرًا في أمري».

‏وكان يبيت كلّ ليلة جمعة بضريح سيدي علي بن حرزهم يقرأ البُردة. فلقيه ذات ليلة رجلٌ تحت السِّدرة كاشفه بما في باطنه، ولقّنه بعد إلحاحٍ وردًا واحدًا يُكرَّر سبعة آلاف مرّة في اليوم:

‏«اللهم يا ربّ بجاه سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، اجمع بيني وبين سيدنا محمد بن عبد الله في الدنيا قبل الآخرة».

‏ولم يُخبره سيدي عمر بن محمد الهواري، قيّم الروضة، بأنّ ذلك الرجل هو الخضر عليه السلام إلا عند خروجه من الدنيا؛ وفي تلك الساعة نفسها أعلمه أنّ شيخه هو سيدي العربي الفشتالي، فانغلقت الدائرة على من فتحها. وبعد وفاته بثلاثة أيام وقع له الفتح: يوم الخميس الثامن من رجب سنة 1125هـ. وعبارتُه في وصفه مقتضبةٌ إلى حدّ الإدهاش: «عرّفنا اللهُ بحقيقة نفوسنا».

‏في معنى الأُمِّيَّة

‏أُمِّيَّتُه ليست ظرفًا عارضًا بل حُجّة: فما صدر عنه من حلٍّ لمشكلات الحديث وغوامض كلام القوم لا يمكن ردُّه إلى تحصيلٍ سابق، إذ لم يكن ثمّة تحصيل. وليست حالةً شاذّة في تاريخ التصوّف، بل طرفٌ في تقليدٍ أصلُه قوله تعالى في شأن الخضر عليه السلام:

‏﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾

‏[الكهف: 65]، وقد أفرد لهذه الظاهرة ميشيل شودكيفيتش دراسته المؤسِّسة «الوليّ الأمّي». على أنّ الدبّاغ لم يزاحم الفقهاء موقعهم، ولم يدعُ قطّ إلى إهمال الشريعة ولا إلى الاستغناء عن أهلها.

‏التلميذ الذي صار راويًا

‏أبو العباس أحمد بن المبارك السجلماسي اللمطي (نحو 1090–1156هـ): حفظ القرآن بالقراءات السبع، ودخل فاس سنة 1110هـ، وأخذ عن المسناوي والحريشي والعطّار، حتى صرّح لنفسه بالاجتهاد المطلق، ووُصف بأنه «أخذ يُقارع العلماء ولا يكاد يُذعن لواحد منهم». هذا الرجل هو الذي جلس بين يدي الأمّي يسأله ويكتب عنه، وكان يقرأ عليه من «فصوص الحكم» فيفكّ له مرادَ أصحابه. وبه وحده نعرف الدبّاغ؛ ولذلك وجب التنبيه إلى قيدٍ منهجيّ لازم: «الذهب الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز» — المتمّ بفاس سنة 1136هـ — نصٌّ عن الدبّاغ، لا نصٌّ للدبّاغ.

‏أصول التعليم

‏مدار كلامه كلّه على الحقيقة المحمدية: الأسرار جميعها مأخوذة من سرّه صلى الله عليه وسلم، وما عند الملائكة والأنبياء والأولياء إنما هو سَقْيٌ من الذات الشريفة — وهو معنى قول ابن مشيش: «من منه انشقّت الأسرار وانفلقت الأنوار». ومن أخصّ ما انفرد به أنّ التربية إنما تقع بنور إيمان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل من الشيخ الوارث إلى قلب المريد؛ ويشترط في شيخ التربية أن تكون ذاتُه «سُقيت من نوره حتى صار على قدم النبي». ويوجب أن تكون محبّة المريد لشيخه بلا علّة، «مثل المحبّة التي تكون بين الصبيان». ومن مباحث «الإبريز» الكبرى: ديوانُ الصالحين، والظلمةُ التي تدخل على ذوات العباد وأعمالهم وهم لا يشعرون، والتمييزُ بين الفتح النوراني والفتح الظلماني — وفيه ردٌّ من داخل التصوّف على من يجعل خرق العادة دليلَ ولايةٍ بإطلاق — واللغةُ السريانية، والبرزخ.

‏الوفاة والأثر

‏توفي بفاس سنة 1131هـ، وقيل 1132هـ، ولم يجاوز السادسة والثلاثين على المشهور. ودُفن بمقبرة القِباب خارج باب الفتوح، وبُنيت على قبره قبّةٌ لا تزال قائمة؛ ودُفن إلى جواره تلميذه اللمطي سنة 1156هـ.

‏ولأنّ أثره انتقل عبر كتابٍ لا عبر سلسلة، كان أوسع من أثر كثيرٍ من مؤسّسي الطرق: انتشر «الإبريز» في المغرب وبلاد السودان الغربي والمشرق، وتُرجم إلى الأردية والتركية (1979) والفرنسية جزئيًّا (2001) والإنجليزية كاملًا (2007). ويُعدّ الدبّاغ من أبرز وجوه تيار «الطريقة المحمدية». على أنّ الدقّة تقتضي التنبيه: الشيخ أحمد التجاني وُلد سنة 1150هـ، أي بعد وفاة الدبّاغ بعشرين سنة، فلا سندَ بينهما ولا إجازة، وإنما هو اشتراكٌ في أفقٍ روحيّ واحد كانت فاس أحد أهمّ مراكزه.

‏خاتمة

‏ليست قيمة الدبّاغ في كراماته، بل في ثلاث: أنّ أعظم فقهاء زمانه هو الذي جلس بين يدي الأمّي لا العكس؛ وأنّ اثنتي عشرة سنة من الحيرة لم تكن ضياعًا؛ وأنّ وِرده كان طلبَ صحبةٍ لا طلبَ مقام. وستّ سنوات بعد الفتح كفت لكتابٍ لا يزال يُقرأ بعد ثلاثة قرون.

‏أهمّ المصادر والمراجع

‏• أحمد بن المبارك السجلماسي اللمطي، «الذهب الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز» (الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدبّاغ)، جزآن.

‏• محمد المرابطي السجلماسي، «تيسير المواهب في ذكر بعض ما للشيخ أبي فارس من المناقب»، مخطوط، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، الدار البيضاء.

‏• محمد بن جعفر الكتاني، «سلوة الأنفاس»؛ ومحمد القادري، «نشر المثاني».

‏• خير الدين الزركلي، «الأعلام» (4/28).

‏• Michel Chodkiewicz, « Le saint illettré dans l’hagiographie islamique », Les Cahiers du CRH, n° 9, 1992.

‏• Zakia Zouanat (trad.), Shaykh al-Dabbâgh, Paroles d’or — Kitâb al-Ibrîz, Éditions du Relié, Paris, 2001.

‏• John O’Kane & Bernd Radtke (trans.), Pure Gold from the Words of Sayyidī ‘Abd al-‘Azīz al-Dabbāgh, Brill, Leiden, 2007.

‏• Ruggero Vimercati Sanseverino, Fès et sainteté (808-1912), Centre Jacques Berque, Rabat, 2014.

✦ مشكاة النبوة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top