
أعلامُ التربيةِ الروحية
الحسنُ البصريُّ (ت 110هـ/728م)
مؤسِّسُ علمِ الباطن وإمامُ الطبقة الأولى
كيف صار مجلسٌ في البصرة أصلًا لعلمٍ امتدَّ إلى زوايا المغرب
مجلسٌ صار علمًا
كان للحسن بن يَسار البصريِّ مجلسان لا مجلسٌ واحد: مجلسٌ عامٌّ في الجامع للحديث والفقه والتفسير، ومجلسٌ خاصٌّ في منزله لا يكاد يتكلَّم فيه إلا في معاني الزهد والنُّسك وأعمال القلوب. وهذا الفصلُ بين المجلسين يمثِّل أوّلَ انعطافٍ واضحٍ نحو استقلال علم السلوك؛ لأنّ إفرادَ هذه المعاني بمجلسٍ مستقلٍّ إعلانٌ ضمنيٌّ بأنّ لها علمًا قائمَ الذات، له مسائلُه وأهلُه. فمن هذه اللحظة صار للقلب — على نحوٍ لم يُعهد قبلُ — بابٌ يُدرَّس، لا موعظةٌ تُلقى.
و«علمُ القلوب» هنا مرادُه فقهُ القلوب وأعمالُها من إخلاصٍ وزهدٍ وخوفٍ ومحاسبة، لا الباطنيةَ العقدية التي تؤوِّل الشريعة. و«التأسيسُ» تقعيدٌ وتنظيمٌ لا اختراعٌ من عدم؛ فالحقيقةُ نبويةٌ سابقة، والذي أنشأه الحسنُ جمعُها في علمٍ يُدرَّس.
على أنّ الحقيقةَ التي يسمِّيها القومُ تصوُّفًا — من الإحسان والمراقبة والخوف والمحبة — قديمةٌ قِدَمَ الوحي، كاملةٌ في الصحابة بلا اسم؛ وقد قرَّر القشيريُّ في «الرسالة» أنها كانت فيهم على أتمِّ وجهٍ ثم قلَّ أهلُها فاحتاجت إلى اسم. فليس الحسنُ مؤسِّسًا للحقيقة — فتلك نبويةٌ سابقةٌ للاسم والرجل — وإنما هو مؤسِّسٌ لعلمِها؛ كما أنّ العربيةَ كاملةٌ قبل النحو، ووضْعُ النحو لا يعني أنّ العربَ كانوا يلحنون.
ولهذا فسؤالُ «هل كان الحسنُ صوفيًّا؟» خاطئُ الصياغة، لأنّ لفظ «التصوف» متأخِّرٌ عنه بجيلين. والصحيحُ أنه صنع المسمَّى قبل أن يوجد الاسم؛ إذ الأسماءُ تلحق المسمَّيات ولا تسبقها.
ولم يكن الحسنُ الزاهدَ الوحيد؛ سبقه أويسٌ القرنيُّ وعاصره عامرُ بن عبد قيس، وتلاه من رُشِّح للتأسيس كإبراهيم بن أدهم ومعروفٍ الكرخيِّ والجنيد. لكنّ المتأخِّرين بنَوا على ما وجدوا، والسابقين كانوا أصحابَ زهدٍ يُقتدى لا علمٍ يُدرَّس؛ فالزهدُ سلوكٌ شاركه فيه كثيرون، والتصوفُ علمٌ يُقعِّد أحوالَ القلب. ووجهُ ترجيح الحسن أنه أوّلُ من حوَّل الحالَ إلى علمٍ بمجلسٍ ولغةٍ وتلاميذَ — لا أنه أزهدُهم.
شهادةُ التأسيس
أحسمُ الأدلة قولُ ابن الأعرابيِّ في «طبقات النسّاك»: «كان عامّةُ من ذكرنا من النسّاك يأتون الحسنَ ويُذعنون له بالفقه في هذه المعاني خاصّة». فليس المرادُ الاقتداءَ بزهده، بل الاعترافُ له بالمرجعية العلمية في بابٍ محدَّد؛ وكلمةُ «الفقه» تنقل المسألةَ من الاقتداء إلى الاختصاص. ويؤيِّده أنّ له تلاميذَ ملازمين — كعبد الواحد بن زيدٍ ومالكِ بن دينار — صاروا رؤوسَ مدارسَ بعده؛ والعلمُ الذي لا يخرِّج مدرِّسين موهبةٌ تموت بصاحبها.
ثلاثةُ أعمالٍ مؤسِّسة
أوّلًا، جعْلُ النفس موضوعًا للعلم لا محلًّا للتكليف فحسب: لها حِيَلٌ تُكشف، ودعاوى تُمتحن، وأمراضٌ لها أعراضٌ وأدوية. وثانيًا، صناعةُ اللغة؛ فهو صاحبُ المعجم الأول لهذا الباب وأسلوبِه ذي العلامات الثابتة: النداءُ بـ«يا ابنَ آدم»، والتقابلُ الحادُّ، والصورةُ المحسوسة. وثالثًا، ردُّ التجربة إلى إجراءاتٍ قابلةٍ للتعليم: راقِبْ، وحاسِبْ، واقصُرْ أملَك، وخَفْ خوفَ اليقظة، وخُذْ من العمل ما تُطيق. وحين تصير التجربةُ إجراءً صار لها تقليدٌ ينتقل؛ وهذه المسافةُ بين عابدٍ لا يُورَث، ومؤسِّسٍ يمتدُّ أثرُه ثلاثةَ عشر قرنًا.
الخوف وقِصَر الأمل والمحاسبة
الخوفُ عنده أداةُ نظرٍ قبل أن يكون حالةَ قلب: يمنع النفسَ من الأمان الكاذب، فإنّ العبدَ إذا أَمِن كفَّ عن الفحص. وهو حارسُ اليقظة لا خصمُ الرجاء؛ ولذلك وضع ضابطَه بنفسه: «فليأخذ أحدُكم ما يُطيق، فإنّ العبدَ إذا كلَّف نفسَه فوق طاقتها خِيف عليها السآمةُ والتَّرك».
وقِصَرُ الأمل — «ما أطال عبدٌ الأملَ إلا أساء العمل» — نظريةٌ في الزمن: قطعُ الامتداد الوهميِّ الذي يبرِّر تأجيلَ العمل، وردُّ الوعي إلى اللحظة المملوكة فعلًا. وهو أصلُ ما سيُسمَّى «ابنَ الوقت».
والمحاسبةُ تحويلٌ للحساب الأخرويِّ إلى إجراءٍ يوميّ؛ يقول في «الحلية»: «إنما خَفَّ الحسابُ يومَ القيامة على قومٍ حاسبوا أنفسهم في الدنيا». وهذا هو المولدُ المباشر لأدب «المحاسبة» الذي صار عند الحارث المحاسبيِّ منهجًا، ثم دخل «الإحياءَ» كتابًا قائمَ الذات.
السلسلةُ الموثَّقة
يُعرف المؤسِّسُ بامتداده، ويمكن تتبُّعُ امتداد أثره الفكريِّ عبر حلقاتٍ متتابعةٍ بلا حاجةٍ إلى خِرقة: من تلاميذه المباشرين إلى جماعة «عبّادان» (من أقدم المؤسسات المنظَّمة للنسّاك، وبذرةِ الرباط ثم الزاوية)، فالحارثِ المحاسبيِّ الذي حمل مفهومَ المحاسبة، فالجنيدِ ومدرسةِ بغداد، فتدوينِ السرّاج والمكيِّ والقُشيريِّ، ثم إلى المغرب بـ«إحياء علوم الدين» للغزاليّ. فصارت منظومةُ الخوف والمحاسبة وقِصَر الأمل مادّةً في التربية، لخَّصها ابنُ عاشرٍ لعامّة المريدين، وأعاد ابنُ عطاء الله صياغةَ أصولها في «الحِكَم» بلغةٍ أدقَّ وأعلى. والصلةُ صلةُ أصلٍ بفرعٍ نضج، لا صلةُ قطيعة.
ما لا يحتاج إليه المؤسِّس
تُثار حول الحسن ثلاثُ مسائلَ متأخِّرة، ولا تزيد في مقامه بل تُنقص منه حين يُبنى عليها. فخِرقةُ التصوف عنه عن عليٍّ سماعُها مختلَفٌ فيه بين الحفّاظ؛ وقد حسم ابنُ الصلاح الأمرَ بأنّ سند الخِرقة سندُ بركةٍ وانتسابٍ لا سندُ رواية. لكنّها تنقل مصدرَ شرعيته من عملِه إلى ثوبِه، وذلك في حقِّه تصغيرٌ لا تعظيم. ورسالةُ القدر المنسوبةُ إليه مطعونٌ في نسبتها طعنًا تراثيًّا أصيلًا قبل الدرس الغربيّ: نفاها الشهرستانيُّ ونسبها لواصلٍ، وروى عبدُ الله بنُ أحمد في «السنة» ما يدلُّ على أنّ القدرية كانوا يكذبون على الحسن؛ وإنما مدَّد كوك ومراد هذا النقدَ ولم يبتدئاه. ومجالسُه مع رابعةَ العدوية غيرُ ممكنةٍ زمنيًّا (نبَّه على ذلك عبدُ الرحمن بدوي)، وهي مشهدٌ رمزيٌّ صنعته الذاكرةُ اللاحقة للجمع بين الخوف والمحبة. والمؤسِّسُ الحقيقيُّ تُثبته ثلاثةٌ فقط: مضمونٌ محدَّد، ومنهجٌ قابلٌ للتعليم، وسلسلةُ رجالٍ حملوهما — وكلُّها ثابتةٌ للحسن.
الرجلُ في سطور
هو أبو سعيدٍ الحسنُ بنُ يَسارٍ البصريُّ، وُلد بالمدينة سنة 21هـ، وأمُّه خَيْرةُ مولاةُ أمِّ سلمة، فنشأ في كنف بيتٍ من بيوت النبوة. روى عن جماعةٍ من الصحابة — كعِمرانَ بنِ حُصينٍ وسَمُرةَ وابنِ عباس — وإن اختُلف في سماعه من كثيرٍ منهم، وأثبتُ شيوخه سماعًا أنسُ بنُ مالك. انتقل إلى البصرة نحو سنة 37هـ، وتقلَّب في أربعة أعمال: الكتابةُ لأمير خراسان، فالفتوى والتدريسُ نحو خمسين سنة، فقضاءُ البصرة مدةً يسيرةً استعفى منها، فمجلسُ القَصَص الذي صنع به علمَ القلوب. ووُصف بالإرسال والتدليس — وأكثرُه إرسالٌ خفيّ — فسندُ الرواية عنده غيرُ سندِ التربية. ومات بالبصرة سنة 110هـ.
خلاصة
لم يكن الحسنُ زاهدًا كبيرًا في سلسلة زهّاد، ولا واعظًا بارعًا في جملة وعّاظ؛ بل مؤسِّسٌ أفرد معاني القلوب بعلمٍ مستقلٍّ لم يشترط الانسحابَ من العمران، فبقي علمُه صالحًا لكلِّ مِصرٍ وعصرٍ لأنه لم يُلزم صاحبَه رهبانيةً ولا اعتزالًا. وهو ابنُ مولًى من سبي مَيْسان، لا نسبَ يُشرِّفه ولا سلطانَ يحميه؛ ثم صار مجلسُه المتواضعُ أصلًا تتلمذ عليه المشرقُ والمغرب. وحسبُه أنّ أهلَ البصرة ازدحموا على جنازته حتى فاتت جماعةً منهم صلاةُ العصر — يذكرها المؤرِّخون مقياسًا لقدره لا إقرارًا لتأخير الصلاة عن وقتها؛ فمن شغل الناسَ عنها يومَ موته، فقد شغلهم بها خمسين سنةً في حياته.
المصادر
١. ابن الأعرابي، «طبقات النسّاك» — شهادةُ إذعان النسّاك للحسن بالفقه في معاني القلوب، وذكرُ مجلسه الخاص في علوم الباطن.
٢. أبو نُعيم الأصبهاني، «حِلية الأولياء» ج2 — نصوصُ المحاسبة والخوف والزهد، ومنه أثرُ «إنما خَفَّ الحساب…».
٣. ابن سعد، «الطبقات الكبرى» ج7 — أقدمُ ترجمةٍ مفصَّلة للمولد والنشأة والوفاة.
٤. الذهبي، «سير أعلام النبلاء» ج4 — الترجمةُ الجامعة، والحكمُ على تدليسه ومراسيله.
٥. الحارث المحاسبي، «الرعاية لحقوق الله» — تحويلُ مفهوم المحاسبة عند الحسن إلى منهجٍ مدوَّن.
٦. القشيري، «الرسالة»، وأبو نصر السرّاج، «اللُّمَع» — تدوينُ العلم في صورته الناضجة والنقلُ عن الحسن نقلَ الأصل.
٧. الغزالي، «إحياء علوم الدين» — كتابا «المراقبة والمحاسبة» و«الخوف والرجاء»؛ وبه انتقل ميراثُ الحسن إلى المغرب.
٨. السيوطي، «الحاوي للفتاوي» ج2 — مسألةُ سماع الحسن من عليٍّ وأثرُها في سند الخِرقة، مع قول ابن الصلاح.
١٠. M. Cook, «Early Muslim Dogma», Cambridge 1981 — نقدُ نسبة رسالة القدر وترجيحُ نحلها.
✦ مشكاة النبوة
عن الكاتب
عبد الفتاح العقيلي
كاتب مغربي، أستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يكتب في التزكية والسلوك وأعلام التصوّف المغربي. متربٍّ في الطريقة القادرية البودشيشية. صاحبُ «مشكاة النبوة» والكاتبُ الوحيدُ فيه، وله مقالاتٌ في منابر أخرى.
‹ جميعُ مقالاتِ الكاتب
Related Posts
أبو يعزى يلنّور: وليّ الأمّيين وكرامات الجبل
أبو العباس السبتي: الفقيه الذي حكَم مراكش بالصدقة