
حينَ حاسَبَ الصوفيّةُ أنفسَهم
قراءةٌ في تقاليد الاحتساب الداخلي في التصوّف
مقدمة
ما من علمٍ إسلاميّ إلا وله خصومٌ من خارجه، ولا عجب في ذلك. لكنّ التصوّف انفرد بأمرٍ آخر: أنّه أنتج، قبل ظهور خصومه بقرون، مكتبةً كاملة في الاعتراض على نفسه، كتبها أهلُه لا أعداؤه. وأغربُ من ذلك أنّ أشهر متونه المرجعية لم تُكتب مديحاً للطريق، بل شكوى منه.
ومن هذه الزاوية تُقرأ المسألة على غير ما اعتاده الجدل الحديث: النقد ليس طارئاً على التصوّف، بل من صميم بنيته؛ والأزمنة التي انهزم فيها أمام ناقديه من الخارج هي بعينها الأزمنة التي كفّ فيها عن محاسبة نفسه. وهذه الورقة تتتبّع هذا الاحتساب الداخلي في خمسة مواقف: نشأته مع الجيل المؤسِّس، وذروته عند أحمد زروق، وامتداده في جغرافيا العالم الإسلامي، وطبيعة ما كان يُنتقد بالضبط، ثم مصيره في القرن الأخير.
أولاً: الميزانُ قبل الخصوم
كان الميزان موضوعاً منذ الجيل المؤسِّس. فممّا اشتهر عن الجنيد أنّ علم القوم مقيّدٌ بالكتاب والسنّة، وهي عبارةٌ لم تُقل في وجه منكِر، بل قيلت للمريدين أنفسهم. ثم جاء أبو نصر السرّاج الطوسي في القرن الرابع فخصّص في «اللمع» باباً لأغاليط الصوفية، يُحصي فيه مواضع الزلل في المقامات والأحوال بقلمٍ صوفيّ لا بقلم خصم.
وبعده بنحو نصف قرن افتتح القشيري «رسالته» — وهي أوسع متون القوم انتشاراً على مدى ألف عام — لا بتعريفٍ ولا بثناء، بل بنعيٍ يبدأ رفيقاً ثم يرجع عن رفقه ليشتدّ: حصلت الفترةُ في هذه الطريقة… لا، بل اندرست الطريقةُ بالحقيقة. مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء، وقلّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم اقتداء، وزال الورعُ وطُوي بساطه، واشتدّ الطمعُ وقوي رباطه، وارتحلت عن القلوب حرمةُ الشريعة.
ثم سمّى ما كتبه باسمه الصريح: شكوى. أن يكون الكتابُ المؤسِّس لتعليم التصوّف شكوى من الصوفية، مفارقةٌ تستحقّ الوقوف. ولم يكن الغزالي بعده، وهو يخوض معركته على جبهتين، أرفقَ بأهل الطريق منه بعلماء الدنيا؛ فأشدّ ما خافه لم يكن إنكار المنكِرين، بل دعوى الواصلين: قومٌ يجعلون سقوط التكليف علامةً على الوصول، ويحسبون الرخصة كرامة. وهو الذي دخل الطريق بعد الشكّ، فعرف من الداخل أين يكمن التزوير.
ثانياً: زروق، أو حين تُنزع الكرامةُ من موضع الحجّة
يبلغ هذا كلّه ذروته في فاس، في القرن التاسع الهجري، مع أحمد زروق. عاش في زمنٍ تكاثرت فيه الزوايا وكثر مدّعو المشيخة، فلقّبه التاريخ بـ«محتسب العلماء والأولياء». وليس اللقب مجاملةً، بل وصفُ وظيفة: رجلٌ وجّه الحسبة إلى الداخل، وجعل من محبّته للطريق سبباً للصرامة معه لا للتساهل. في «قواعد التصوّف» يضع القاعدة الحاكمة: لا تصوّف إلا بفقه، إذ لا تُعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوّف، إذ لا عمل إلا بصدقٍ وتوجّه. ثم يمضي إلى ما هو أمضى: فمن ثمّ صحّ إنكار الفقيه على الصوفي، ولا يصحّ إنكار الصوفي على الفقيه.
وأخطر ما كتبه زروق جملةٌ واحدة: وكلّ شيخ لم يظهر بالسنّة فلا يصحّ اتّباعه لعدم تحقّق حاله، وإن صحّ في نفسه وظهر عليه ألفُ ألفِ كرامة. هنا يُخلع المقياس الذي تقيس به العامّة، وتُنزع الكرامةُ من موضع الحجّة؛ لأنّ الخارق لا يُثبت صحّة الطريق، والاتّباع لا ينعقد على العجَب. رجلٌ من أهل التصوّف يسحب من التصوّف أمضى أدواته في اجتذاب الناس — هذا هو الاحتساب حين يصدق: أن يُصيبك في أثمن ما تملك.
ثالثاً: جغرافيا الاحتساب
ولم تكن الظاهرة مغربيةً وحدها، ولم تكن أخلاقيةً محضة. فالاحتساب من الداخل يشتدّ حيث تقترب الطريق من السلطة أو من المال؛ ذلك أنّ اتّساع النفوذ هو نفسه ما يُغري الدخيل بالدخول.
ففي الهند، في مناخٍ صاغته سياسةُ البلاط المغولي الدينية وما رافقها من تمييع الحدود بين الملل، نهض أحمد السرهندي من داخل الطريقة النقشبندية لا من خارجها، يقوّم ما رآه إفراطاً في التعبير عن الحال ويعيد ربط السلوك بالحكم الشرعي. وفي مصر كتب الشعراني عيوب نفسه قبل أن يكتب عيوب غيره، في زمنٍ صارت فيه المشيخة وظيفةً لها أوقافها وأتباعها ومنافعها. وفي غرب إفريقيا واجه عثمان بن فودي علماء البلاط وباعةَ الأوراد والأسانيد، ففصل بين الطريق وبين ما يُشترى منه.
وفي المغرب لم يكن عتاب الحسن اليوسي لزوايا عصره عتاباً في الأخلاق وحدها؛ فقد كانت الزوايا يومئذ قوّةً لها أرضُها وأتباعها وامتيازاتها، فكان الاحتساب عليها مساساً بمصالح لا بمشاعر. وبعده بقرن كتب ابن عجيبة: وقد رأيت كثيراً من الفقراء قصّروا من الشريعة، فخرجوا من الطريقة، وسُلبوا نور الحقيقة. جغرافيا بسعة العالم الإسلامي، وقانونٌ واحد يحكمها: كلّما اتّسع الطريق واقترب من الجاه، قام من أهله من يقول إنّه اتّسع أكثر ممّا ينبغي.
رابعاً: ما الذي كان يُنتقد؟
والملاحظ أنّ هذا النقد الداخلي لم يقع يوماً على أصل التصوّف، بل على ما يتسلّل إليه: الدعوى بلا حال، والرسوم بلا معنى، وصحبة الشيخ لأجل بركته لا لأجل تربيته، والتوسّع في الرخص باسم الذوق، واتّخاذ الخوارق حجّةً تُغني عن الاتّباع، وبيع الإجازة والسند.
وقد يُقال إنّ هذا كلّه تنازعٌ على النفوذ في لبوسٍ أخلاقي، وأنّ المحتسب إنّما يُزيح منافساً. وللقول وجهٌ في بعض الوقائع، لكنّه يتكسّر عند أشدّها دلالة: فزروق حين نزع عن الكرامة صفةَ الحجّة لم يجرّد خصومه وحدهم، بل جرّد نفسه ومن يجيء بعده من أمضى ما يُجتذب به الناس. ومن ينازع على نفوذ لا يبدأ بكسر الميزان الذي يُقاس به. ثم إنّ هؤلاء لم يكتبوا من مواقع رابحة: كلّهم خسر شيئاً — وُدّ الأتباع، أو سكينة الزاوية، أو المقام في بلده.
وهذا وجه الفرق بين النقد الداخلي والخارجي: هذا يريد هدم البناء، وذاك يريد إخراج الدخيل منه. ولذلك كان أقسى، لأنّ الغريب يكتفي بالظاهر، وابن الدار يعرف أين تُخبَّأ العيوب؛ ولذلك أيضاً كان أنفع، لأنّ من ينتقد ما يحبّ لا يبحث عن انتصار، بل عن نجاة.
خامساً: القرن العشرون، أو لماذا خفتَ الصوت
ولم ينقطع هذا الصوت في العصر الحديث، وإن ضعف. ففي مصر كتب محمد زكي الدين إبراهيم، وهو شيخُ طريقةٍ لا خصمٌ لها، أبياتاً يُخرج بها من التصوّف رقصَ الراقصين والطبلَ والصعقَ والتشنيج، والعمامةَ الكبرى والسبحةَ حول الرقاب، ودعوى الولاية وصنعَ الخوارق، والنسبَ الموضوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والإجازاتِ تُشترى بالدراهم. ثم قال في موضعٍ آخر ما هو أقسى وأصدق: وشرُّ عدوّه أهلُوه.
وليس في هذا جديدٌ على القوم؛ فهو عين ما صنعه السرّاج والقشيري وزروق. الجديد أنّه صار نادراً. والسؤال الأنفع ليس التأسّف على ندرته، بل تفسيرها.
والذي يترجّح أنّ التصوّف انتقل في القرنين الأخيرين من موقعٍ إلى موقع. كان مدرسةً للتربية داخل بيت العلماء، يتحرّك في فضاءٍ يسلّم بشرعيته، فكان النقد فيه تقويماً بين أهل الدار. ثم جاء الاستعمار، ومعه الإصلاحية والتيارات المنكِرة لأصل الطريق، فوجد التصوّف نفسه في موضع المدافع عن وجوده لا المصحّح لمساره. وحين يصير الجسد محاصَراً، يصير كلُّ نقدٍ داخليّ ذخيرةً تُسلَّم للخصم؛ فيُؤجَّل، ثم يُستقبح، ثم يُنسى.
فسكوتُ الاحتساب ليس فساداً في الأخلاق، بل ردُّ فعلٍ دفاعي. وهذا بعينه ما يجعله باهظاً: لأنّه معقول الأسباب، فلا يشعر أحدٌ بأنّه مسؤول عنه.
خاتمة
كان في وسع هؤلاء جميعاً أن يصمتوا؛ فالصمت أسلمُ للسمعة وأرفق بالمريدين. لكنّهم فهموا أنّ الطريق الذي لا يميّز أهلَه من المتشبّهين به سيُحاسَب يوماً بأسوأ ما فيه. فالاحتساب من الداخل ليس اعترافاً بالضعف، بل هو ما منع التصوّف قروناً من أن يصير طائفةً مغلقة.
وليس الحصارُ عذراً كافياً؛ فالسرّاج كتب باب الغلط وحوله من ينكر أصل الطريق، والقشيري رفع شكواه في زمنٍ لم يكن أرحم بالقوم من زماننا، وزروق احتسب وهو يعلم أنّ الاحتساب سيُخرجه من مدينته.
والسؤال إذن ليس: هل نُقد التصوّف؟ فقد نُقد من داخله قبل أن يعرفه ناقدوه. السؤال: هل ما يزال ينقد نفسه؟ الطريقُ الذي كفّ عن كتابة باب الغلط لم يصر بريئاً، بل صار بلا حارس. وأخلصُ الناس لزروق ليس من يردّد قواعده، بل من يجرؤ على تطبيقها على نفسه أوّلاً.
المصادر والمراجع
1. أبو نصر السرّاج الطوسي، اللمع في التصوّف، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة، القاهرة — باب أغاليط الصوفية.
2. أبو القاسم عبد الكريم القشيري، الرسالة القشيرية — مقدّمة المؤلف، وباب ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدلّ من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة.
3. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين — كتاب العلم وكتاب ذمّ الغرور.
4. أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال.
5. أحمد زروق الفاسي، قواعد التصوّف وشواهد التعرّف — القاعدة الرابعة وما بعدها.
6. أحمد زروق الفاسي، النصيحة الكافية لمن خصّه الله بالعافية.
7. محمد إدريس طيب، الشيخ أحمد زروق: محتسب العلماء والأولياء، الجامع بين الشريعة والحقيقة — المدرسة الزروقية، كتاب ناشرون، بيروت، ط2، 2008.
8. علي فهمي خشيم، أحمد زروق والزروقية: دراسة حياة وفكر ومذهب وطريقة.
9. عبد الوهاب الشعراني، لطائف المنن والأخلاق في وجوب التحدّث بنعمة الله على الإطلاق.
10. أحمد بن عجيبة الحسني، إيقاظ الهمم في شرح الحكم.
11. الحسن اليوسي، المحاضرات في الأدب واللغة، ورسائل أبي علي الحسن اليوسي.
12. أحمد السرهندي (الإمام الرباني)، المكتوبات.
13. عثمان بن فودي، إحياء السنّة وإخماد البدعة.
14. محمد زكي الدين إبراهيم، ديوان البقايا، ومفاتح القرب.
✦ مشكاة النبوة
عن الكاتب
عبد الفتاح العقيلي
كاتب مغربي، أستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يكتب في التزكية والسلوك وأعلام التصوّف المغربي. متربٍّ في الطريقة القادرية البودشيشية. صاحبُ «مشكاة النبوة» والكاتبُ الوحيدُ فيه، وله مقالاتٌ في منابر أخرى.
‹ جميعُ مقالاتِ الكاتب

شكرا استاذنا .
فعلا ظهر التصوف في بداية أمره كنوع من جلد الذات. واستمر على نفس النهج الى يومنا هذا .
فإذا كان الغزالي قد خصص كتابا اطلق عليه عنوان: الكشف والتبيين في غرور الخلق اجمعين. وبين فيه غرور الصوفية. فإن ابن سبعين في كتاب بد العارف يتحدث عن خبرة الغزالي ونعثه بحيرة تقطع الاكباد.
والى اليوم لا زال اللقب المفضل عندي الصوفية هو (الفقراء) و(الدراويش). خصمهم الوحيد هو النفس
وخالق النفس والشيطان واعصهما. وإن هما محضاك النصح فاتهم.
ولا اطعم منهما خصما ولا حكما. فأنت تعرف كيد الخصم والحكم.