
عامٌ على رحيل سيدي جمال: في أدَبِ المُريد حين ينشطرُ البيت
مراجعةٌ في أصول السلوك والوفاء
عامٌ مضى منذ أن وارى الترابُ شيخَنا سيدي جمال القادري البودشيشي رحمه الله. وظننا في تلك اللحظة أن لوعة الغياب هي أشد المحن، ثم تجلّى لنا أن الفراق على قسوته كان أرفق بما جاء بعده.
وقبل أن أقول شيئاً عمّا جرى في هذا العام، أقف عنده أولاً؛ فالوفاءُ أن تكون الذكرى له، لا لنا.
الرجلُ الذي لم يجرح أحداً
«لقد تجسدت فيه رحمه الله حقيقةُ “المسكنة”، وهي أن يتيقن العبدُ أنه لا شيء في ملكوت الله، فلا تبقى في نفسه بقيّةٌ للانتصار للذات. وهو مقامٌ يتجاوز التواضع المصنوع؛ فمتى نزل بالقلب، حطّ عنه كبرياء الدعوى.
وكان وجهه يُفصح عن هذا المعنى لِمن رآه قبل أن يتكلم؛ سيماءٌ طاهرةٌ يستشفُّ الناظر من خلالها أنوارًا لا تسترها المظاهر. يعامل الجميع بلا جرح ولا غلظة، لا يرد محتاجاً، ولا ينطق بما يسوء، وكان يُقبل على كل من جلس إليه بقلبه كاملاً كأنه أحب الناس إليه.
وقد ابتُلِي في عمره بأثقالٍ لا يصبر عليها إلا صاحبُ هذا المقام: جفاءً ممن يُرتجى منهم الرفق، وغمّاً من القريب. فما أظهر شكوى، ولا طلب نصرة، ولا استعدى أحداً على أحد، إنما كان طرقه السَّتْر والسَّكِينَة والمُضِيّ.
وحتى حين امتدت علّته في المصحة واستشعر بعضنا أساً وحيرةً في تلك الخاتمة، كان ذلك تمامَ مقامه لا نقصاً فيه؛ ففي الحديث الصحيح لما سُئل النبي ﷺ عن أشد الناس بلاءً قال: «الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ».
إنما يُعرف أهلُ الله بما يودعونه في أرواح السالكين عند الرحيل، لا بهيئة الفراق.
ثم جاءت الفتنة
«وما إن وُوري جثمانُه الثرى حتى داهمنا سؤالٌ شطرنا شطرتين؛ فإذا بالبيت الواحد أضحى بيتين، والمجلس الجامع انقلب مجلسين، وإخوةُ أربعين سنةً على وردٍ ومائدةٍ واحدة صاروا فرقتين.
ولستُ أعين نفسي قاضياً في ذاك السؤال، فقد قيل فيه ما يربو عن الحاجة، ولا أكتب واعظًا من خارج البلاء، إنما أتكلم كفقيرٍ يجد في صدره ما يجدونه.
وما كان الخلافُ وحده أشدَّ ما أضنانا — فالخلافُ إلى انقضاء — إنما البلاء في استطالة الخصومة حتى ألفتها النفوس، وتعودت عليها الأبصار.
معلمنا الأول علّمنا أن نجعل العين مرآة لعيوبنا وساتراً لزلات إخواننا، فأنفقنا هذا العام نمرّنها على عكس ما تعلمنا: نلتقط العثرة ونطوي الحسنة. وما كان ذلك لضعفٍ في الهِمّة، إنما بالهمّة ذاتها والاشتغال نفسه بعد أن ضلّت الغاية. والمتعوِّد لا يملك بصره؛ وهذه العين التي أَلِفَت تتبّع العثرات لن تقف عند المخالفين، بل ستسري إلى بيوتنا، وإلى أقرب الناس إلينا، وإلى ذواتنا في الختام. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ — والخطاب في الآية معقودٌ للمؤمنين خاصة.
ما الذي كنّا ندافع عنه؟
«وتساءلتُ بيني وبين نفسي: لماذا استبدّ بنا الأذى إلى هذا الحد؟ فالمرء لا يظل في لظى الفتنة عاماً كاملاً إلا وهو يذود عن عزيزٍ يُخال أنه ضائع. وأخشى أن يكون الشيء العزيز الذي خشينا عليه ليس هو الدين ولا الطريق، بل “الأنا” الدفينة فينا: مكانتنا في الجماعة، وصورتنا عند أنفسنا، واعتزازنا بأننا من أهل هذا البيت. فلما ارتجت تلك الصورة، اندفعنا ننافح عن ذواتنا تحت شعار الدفاع عن الحق!
وتلك لَعَمري هي الانتكاسة الروحية: أن يغدو الذكرُ — الذي بُني لاستئصال النفس — غذاءً تقتات منه. وآية ذلك بينة: أن يتساهل المرء في حظه من الذكر، بينما يضيق صدره وتثور ثائرته إن قيل إنه أخطأ. ثم جاءت الشاشات لتمنحنا نصرةً كاذبة بغير تكلفة، كما توهمنا قُرباً بغير جُهد.
«وأما الترجيح والمحاكمة، فإن كان المريد يُميّز بحقٍّ حالَ مَن يتبعه ويشهد استقامته أو انحرافه، فإن الواجب عند تبدّل الحال هو العافية والسلامة، لا الانخراط في معارك الخصوم. ولعل قانون الشيخ أحمد زروق هو الحصن المنيع، يوم قرر أنه عند فقد كمال الشروط: «اعتُمد فيما كَمُل فيه، وعُومِل بالإخوّة في الباقي».
.فالإخوّةُ هي التي تقوم مقام ما انقطع، لا الخصومة
الذين لا يُحصيهم أحد
«وبينما ننشغل بإحصاء غنائم الخصام، نغفل عن النازفين في الخفاء؛ عن فقيرٍ ظلّ على وردِه ثلاثين سنة، فلما غامت عليه المقاصد لم يعد يدرِ بأي قلبٍ يذكر، فأخّر وِرده حتى تركه، وعن شابٍ كان يقف بالباب يرجو نفحةً فارتحل، وعن امرأةٍ باتت تُسأل عن “انتسابها وجهتها” قبل أن يُتفقد حالها مع الله! هؤلاء الصامتون لا يكتبون ولا يجادلون، لكنهم أثقلُ وزناً وأكثرُ عدداً منا جميعاً.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ — والخطاب في هذه الآية الأنفالية لم يُوجّه للظالمين وحدهم، بل لكل من توهّم أن الشرار لن يبلغ داره، أو أن النار ستقف عند حدود خصمه.»
الوفاء الذي يليق به
««إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل بالنا الليلة ليس هو البحث عن “الشيخ المأذون” — فقد اختار كلُّ أخٍ من اطمأنّت إليه روحه — بل التفتيش عن “حلاوة الإيمان”: هل ما زالت نابضةً في صدورنا؟ وقد جعل لها المصطفى ﷺ أمارةً ساطعة: «أن يُحبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا لله». ومتى وجد المرءُ في قلبه حَرَجاً أو غِلاًّ على أخٍ من الجهة الأخرى، فليعلم أن شيئاً من هذه الحلاوة قد غاب عن قلبه.»
فما المخرج؟ أقربُ طريقٍ وأشقه على الأنا: أن يعود كلٌّ منا إلى محجّة وِرده وأدبه، ويكُفَّ لسانه وقلمه عما لا يعنيه، ويدعو لأخيه بظهر الغيب بما يتمناه لنفسه.
ولعلّ خير ما نصنعه اليوم أن ينصرف كل فريق إلى إصلاح نفسه، وأن يعمر قلبه بما ينفعه، ويترك لله أمر غيره؛ فما تزكت نفسٌ بإفناء غيرها، ولا قامت طريقةٌ على انتظار زوال أختها.
قضى سيدي جمال رحمه الله حياته كلها دون أن يجرح خاطر أحد، وغادر الدنيا وهو يسبل ستره على من جفاه. وأعظم وفاءٍ نردُّ به دَيْنَه في هذه الذكرى ليس النضال باسمه ولا الخصومة عنه، إنما التخلق ببدائعه هذه. فلن تكون المسألة غداً عن الجهة التي انحزنا إليها، وإنما عن سلامة القلوب التي سنقف بها بين يدي رب العالمين.»
✦ مشكاة النبوة
المصادر والإحالات
— القرآن الكريم: الحجرات 12؛ الأنفال 25.
— سنن الترمذي (2398) وسنن ابن ماجه (4023)، عن سعد بن أبي وقاص: «أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل…»، قال الترمذي: حسن صحيح. وبوّب البخاري في كتاب المرضى: «باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل».
— صحيح البخاري (16) وصحيح مسلم (43)، عن أنس بن مالك: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، ومنها: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله».
— أحمد زروق (ت 899هـ): الاكتفاء بالإخوّة عند فقد الشروط — مما اشتهر عنه في الرسائل المتداولة في أصول الطريق، ونقله عنه غير واحد.
عن الكاتب
عبد الفتاح العقيلي
كاتب مغربي، أستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يكتب في التزكية والسلوك وأعلام التصوّف المغربي. متربٍّ في الطريقة القادرية البودشيشية. صاحبُ «مشكاة النبوة» والكاتبُ الوحيدُ فيه، وله مقالاتٌ في منابر أخرى.
‹ جميعُ مقالاتِ الكاتب

وبينما ننشغل بإحصاء غنائم الخصام، نغفل عن النازفين في الخفاء؛ عن فقيرٍ ظلّ على وردِه ثلاثين سنة، فلما غامت عليه المقاصد لم يعد يدرِ بأي قلبٍ يذكر، فأخّر وِرده حتى تركه، وعن شابٍ كان يقف بالباب يرجو نفحةً فارتحل، وعن امرأةٍ باتت تُسأل عن “انتسابها وجهتها” قبل أن يُتفقد حالها مع الله! هؤلاء الصامتون لا يكتبون ولا يجادلون، لكنهم أثقلُ وزناً وأكثرُ عدداً منا جميعاً.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ منقول عن الكاتب.
حينما تستفحل الفتنة لا تصيب الظالمين فقط. بل قد تصيب من لا بد له فيها. قد تجيب شخصا قدم من اجل تزكية نفسه فإذا به تورط في حرب تتغدى لا من الأتباع، بل تتغدى من اطراف هدفها تمزيق الوحدة.
ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهي لنا من لدنك رحمة. إنك أنت الوهاب. صدق الله العظيم
كلامك سيدي يخاطب العقول ويلامس القلوب، ما أحوجنا في هذه الظرفية الدقيقة وهذا الإمتحان الذي تخوضه الطريقة بفقرائها وفقيراتها أن نترك المشاحنات والمشادات جانبا ونشتغل على إصلاح قلوبنا وتزكية نفوسنا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.