‏الحارثُ المحاسبيُّ (ت 243هـ/857م)

‏مقنِّنُ علم المحاسبة ومن أوائل من أسّس للتحليل الأخلاقي للنفس

‏كيف صارت موعظةُ الحسن البصريِّ منهجًا مكتوبًا

‏من الحال إلى المنهج

‏إذا كان الحسنُ البصريُّ قد أفرد معاني القلوب بمجلسٍ فجعلها علمًا يُدرَّس، فإنّ الحارثَ المحاسبيَّ — بعده بقرنٍ ونصف — هو الذي أخرج هذا العلمَ من المجلس إلى الكتاب. فالفكرةُ التي علَّق بها الحسنُ نجاةَ العبد، «حاسِبوا أنفسكم»، أخذها الحارثُ فبنى عليها مشروعًا معرفيًّا كاملًا، حتى صار المفهومُ لقبًا يُعرف به: «المحاسبيّ». وهذا وحده دليلُ تأسيسٍ لا مجرَّدِ اتّباع؛ فقلَّ من التصق به مفهومٌ حتى صار اسمَه.

‏الرجلُ في سطور

‏هو أبو عبد الله الحارثُ بنُ أسدٍ العَنَزيُّ، بصريُّ المولد والأصل (نحو 170هـ)، بغداديُّ الدار والوفاة (243هـ). سُمِّي «المحاسبيَّ» لأنه كان يحاسب نفسه. وكان مكتمِلَ الأدوات: كتب الحديثَ وتفقَّه ونظر في الكلام والأصول، فجمع بين علم الظاهر والباطن. وتنقل كتبُ التراجم من ورعه أنه ورث عن أبيه سبعين ألفَ درهمٍ فتركها كلَّها، لأنّ أباه كان يقول بالقدر فرأى مالَه غيرَ طيّب. وعلى يده تخرَّج الجُنيدُ بنُ محمد سيّدُ الطائفة، حتى قال السلميُّ إنه كان «أستاذَ أكثر البغداديين».

‏علمُ الخواطر

‏جوهرُ إبداعه أنه نقل النظرَ من الفعل الظاهر إلى ما قبله: إلى الخاطرة التي تسبق الإرادة، والإرادةِ التي تسبق العزم. فبينما يحاسب الفقهُ الجارحةَ على ما فعلت، أراد الحارثُ أن يُمسك القلبَ عند أوّل خاطرةٍ قبل أن تصير فعلًا. ولهذا بلوَر ‏علمَ الخواطر‏ وأقامه على منهجٍ تحليليّ — وبذورُه عند السلف، لكنه نظَّمها: كيف تُميَّز الخاطرةُ الربانيةُ من الشيطانية؟ وكيف يُكشف الرياءُ الخفيُّ الذي يفسد العملَ الصالح من داخله؟ وكيف تُمتحن النيةُ قبل العمل وفي أثنائه وبعده؟ وهو سبرٌ لأغوار الحياة الباطنة بأدواتٍ لم تجتمع قبله، ولذلك ‏عدَّه عددٌ من الباحثين أوّلَ عالِم نفسٍ أخلاقيٍّ في الإسلام‏. والمحاسبةُ عنده عدلٌ مع النفس لا جلدٌ لها: يطالبها بالحق ولا يظلمها.

‏التصانيف

‏ذُكر أنّ كتبه تبلغ نحوَ مئتي مصنَّف، أشهرُها ‏«الرعاية لحقوق الله»‏ — أمُّ كتبه؛ منهاجٌ في المراقبة والمحاسبة وأمراضِ القلب من الرياء والعُجب والكِبر والحسد وعلاجِها. ومنها ‏«التوهُّم»‏ رحلةٌ تربويةٌ في الدار الآخرة، و«المكاسب والورع» و«آداب النفوس» و«فهم القرآن»؛ وكلُّها تدور حول تزكية النفس وإحياء القلب.

‏المحنة

‏لم يكن تأسيسُ الحارثِ المحاسبيِّ لمنهجه محفوفًا بالإجلال وحده؛ فقد كره الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل اشتغالَه بعلم الكلام وتصنيفَه فيه، وكان يحذِّر الناسَ منه ويصدُّهم عنه، حتى اضطُرَّ إلى الاستخفاء في أواخر عمره. وتذكر بعضُ المصادر أنه لمّا مات لم يُصلِّ عليه إلا أربعةُ نفر.

‏واختلف العلماء في تعليل هذا الموقف؛ فذهب الغزاليُّ إلى أنه يرجع إلى سببٍ ‏منهجيّ‏، إذ رأى أحمدُ أنّ عرض الشبهات ولو بقصد الرد عليها قد يفتح بابَ التأثر بها. بينما رأى ابنُ تيمية أنّ سبب ذلك ‏عقديّ‏، إذ وافق المحاسبيُّ ابنَ كُلّاب في بعض أصول مسائل الصفات والكلام، مع نقل بعض المصادر رجوعَه عن ذلك في آخر عمره. وعلى أيِّ حالٍ لم يمنع هذا الخلافُ جمهورَ أهل السلوك من عدِّ المحاسبيِّ إمامًا في تزكية النفس وعلم القلوب.

‏وتكشف هذه المحنةُ عن موقعه الفريد في تاريخ الفكر الإسلامي؛ فقد جمع بين التحليل العقليِّ الدقيق والتربية الروحية، فأسهم في تقنين الكتابة في علم القلوب، وجعل هذا الجمعُ مشروعَه موضعَ تحفُّظٍ عند طائفةٍ من أهل الحديث.

‏الأثر

‏أعظمُ ما يثبِّت ريادتَه أثرُه في الغزاليّ؛ فقد أفاد الغزاليُّ من «الرعاية» إفادةً واسعةً في رُبع المهلكات من «إحياء علوم الدين»، وما ذكره في ذمِّ الحسد والعُجب والرياء مأخوذٌ في غالبه من كلام الحارث. فالخيطُ متصل: من محاسبة الحسن البصريِّ، إلى تقنين الحارث لها، إلى ضبط الجنيد، إلى تدوين القشيريِّ والسرّاج، إلى الغزاليِّ الذي أدخلها المتنَ الجامع، إلى المغرب حيث لخَّصها ابنُ عاشر ونظَّر لأصولها ابنُ عطاء الله في «الحِكَم». والمحاسبيُّ هو الحلقةُ التي حوَّلت الموعظةَ إلى علمٍ مكتوب.

‏وفي الدرس الحديث أفردته مارغريت سميث بدراسةٍ مرجعيةٍ (1935م) عدَّته «أوّلَ عالِم نفسٍ أخلاقيٍّ كبير في الإسلام»، واشتغل عليه عبد الحليم محمود وفان إس وبيكن؛ مع التنبيه إلى أنّ الأوفقَ أن يُقرأ فقيهًا للقلب غايتُه رضا الله، لا عالِمَ نفسٍ بالمعنى المعاصر.

‏خلاصة

‏كان الحارثُ الحلقةَ التي نقلت علمَ القلوب من المجلس الشفويِّ إلى المنهج المكتوب المقنَّن؛ رصد حركةَ القلب قبل الفعل، وحلَّل دقائقَ النية والرياءَ الخفيّ، فبلوَر علمَ المحاسبة والمراقبة، وأقام الكتابةَ في علم القلوب على منهجٍ تحليليٍّ دقيق. ودفع ثمنَ ريادته وحشةً وعزلة؛ فالذي وضع أدقَّ ما كُتب في محاسبة النفس مات في عزلته، وتذكر بعضُ المصادر أنه لم يُصلِّ عليه إلا أربعة. والحقُّ لا يُقاس بعدد مشيِّعيه.

‏المصادر

‏١. الحارث المحاسبي، «الرعاية لحقوق الله» — أمُّ كتبه في المراقبة والمحاسبة وأمراض القلب.

‏٢. الحارث المحاسبي، «التوهُّم» و«المكاسب والورع» و«آداب النفوس» — نصوصُ منهجه.

‏٣. الخطيب البغدادي، «تاريخ بغداد» (8/210) — كراهةُ أحمد بن حنبل لنظره في الكلام.

‏٤. الذهبي، «سير أعلام النبلاء» ج12؛ والسلمي، «طبقات الصوفية» — السيرةُ وموقعُه من الجنيد.

‏٥. ابن تيمية، «درء تعارض العقل والنقل» و«مجموع الفتاوى» — تعليلُ الهجر بأصل ابن كلّاب ونقلُ رجوعه.

‏٦. الغزالي، «إحياء علوم الدين» (ربع المهلكات) — امتدادُ «الرعاية».

‏٧. Margaret Smith, «An Early Mystic of Baghdad», 1935؛ وG. Picken, «Spiritual Purification in Islam», Routledge 2011 — الدرسُ الحديث.

✦ مشكاة النبوة

عن الكاتب

عبد الفتاح العقيلي

كاتب مغربي، أستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يكتب في التزكية والسلوك وأعلام التصوّف المغربي. متربٍّ في الطريقة القادرية البودشيشية. صاحبُ «مشكاة النبوة» والكاتبُ الوحيدُ فيه، وله مقالاتٌ في منابر أخرى.

‹ جميعُ مقالاتِ الكاتب

‹ عُدْ إلى سلسلةِ رِجالِ النّور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top