‏ميزان النصرة

‏متى تكون النصرة وفاء، ومتى تنقلب عصبيّة؟

‏ما سلك أحد إلى الله وحده؛ فالطريق صحبة قبل أن يكون وردا، ومعيّة قبل أن يكون خلوة: ‏﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾‏. وقد أفرد لها الغزالي في إحيائه أبوابا في آدابها وحقوقها، حتى صارت بابا من أبواب السلوك. وإذا كانت النصرة من مقتضى الصحبة، فقد اختصر الناس أمرها في سؤال: أننصر أم نعتزل؟ وليست تلك المسألة؛ إنما تدور رحى النصرة على ثلاثة أسئلة، بها يستقيم ميزانها أو يختلّ.

‏أوّلها سؤال المقصد: على ماذا ننصر؟ أنَنصر لأنّ المنصور جماعتنا، أم لأنّ الحقّ معه؟ فنصرة القوم لأنهم قومك حميّة نفس، ونصرة الحقّ حيث كان غيرة لله؛ والفرق بينهما خفيّ في الظاهر، فاصل في الميزان.

‏وثانيها سؤال الوسيلة: أبالحقّ ننصر الحقّ، أم نستعير له سلاح الباطل من سبّ وتجريح؟

وثالثها سؤال الحدّ: أبقدر ما يقيم الحقّ، أم بقدر ما يشفي الغيظ؟ فهذه ثلاثة — مقصد ووسيلة وقدر — هي ميزان النصرة.

‏وفاء لا عصمة

‏فالانتساب إلى الطريق عهد، والعهد يقتضي وفاء لا يمتحن في الرخاء، وإنما حين تشتدّ الريح. غير أنّ الوفاء درجات: أعلاه للحقّ والعهد والمقاصد، وأدنى ما ينحرف إليه أن يصير وفاء للأشخاص على إطلاقهم. فالوفاء للطريق لا يعني عصمة أهله، ومحبّة الإخوان لا توجب نصرتهم على الباطل؛ إذ ليس في القوم معصوم إلا من عصمه الله.

‏حميّة أم غيرة؟

‏وعند سؤال المقصد يقع الاشتباه. فثمّة نصرة مذمومة هي عصبيّة الجاهلية: أن تنصر قومك على الحقّ والباطل، لا تقف عند حدّ. وإذا انحدرت إلى السبّ والتجريح وقعت في الفجور الذي عدّه النبيّ ﷺ من علامات النفاق: ‏«وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»‏. فمن حذّر من هذا فقد أصاب؛ لكنّ التحذير نصف المسألة، ونصفها الآخر أن تعرف متى تكون النصرة واجبا، ومتى تكون عصبيّة. فمن أوهم أنّ السلامة في ترك النصرة جملة، فقد ترك نصف الحقّ.

‏لم تقل: لا تنصر

‏لكنّ الشريعة لم تقل: لا تنصر، بل هذّبت النصرة ووزنتها. قال ﷺ:

‏«انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً»، قَالُوا: فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِماً؟ قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ».

‏فالنصرة باقية، وإنما يتبدّل وجهها: نصرة المظلوم رفع الظلم عنه، ونصرة الظالم كفّه عن ظلمه. وفوقها الحكم الجامع:

‏﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

‏فالعبرة بما تنصر عليه، لا باعتزال النصرة.

‏الميزان يختلّ من جهتين

‏ومن هنا لا يختلّ الميزان من جهة واحدة بل من جهتين: يختلّ حين تنصر قومك لأنهم قومك، فتلك عصبيّة؛ ويختلّ حين تخذل الحقّ وتتخلّى عن حرمة تنتهك، متّخذا من شعار الانشغال بالنفس سترا، فتلك خذلان يلبس لبوس الأدب. وقد يقعد القاعد يزيّن قعوده ورعا، وليس كلّ قعود ورعا؛ فقد يكون عجزا أو مداهنة أو سوء تقدير. فالإنصاف ليس حيادا؛ ‏﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾‏، والعدل فعل وقيام لا صمت وقعود. وربّ صمت حلم، وربّ صمت خذلان، وبينهما يفرق نور البصيرة.

‏في الختام: ميزان النصرة

‏والفيصل بين الغيرة والعصبيّة دقيق، يحتاج إلى صدق مع النفس وبصيرة. فاسأل نفسك في ساعة النصرة: أأنتصر لأنه جانبي، أم لأنه الحقّ؟ فإن كان الأوّل فأمسك، فإنّك للهوى تنتصر وإن تلفّعت بالطريق؛ وإن كان الثاني فامضِ، لكن بالحقّ لا بالباطل، وبقدر ما يقيم الحقّ لا بما يشفي الغيظ؛ فإنّ سلامة المقصد لا تبيح فساد الوسيلة، وكم من منتصر للحقّ شانه بطريقة نصرته.

‏وطالما رأيت من إخواني من يعيب فعلا في موطن ثمّ يأتيه في موطن آخر، غير مكترث بما بين قوله وفعله من تناقض. وليس المقصود إحصاء عثرات الإخوان — فتلك آفة أخرى — بل أن يرى المرء في ذلك مرآة نفسه؛ فإنّ أشقّ الغيرة وأصدقها غيرتك على نفسك أوّلا. فمن رام أن يذبّ عن حرمة — وأعني حرمة الطريق: قيمه ومقاصده قبل أشخاصه — فليخلص نيّته حتى يكون ذبّه لله لا لحظّه، وإلّا انقلبت النصرة عصبيّة وهو لا يشعر. فليس السؤال اللائق بالمريد: كيف أنتصر لجماعتي؟ بل: كيف أجعل نصرتي على البرّ والتقوى؛ فيجتمع له ما حسبه الناس متفرّقا: صدق السلوك وصدق الوفاء.

✦ مشكاة النبوة

عن الكاتب

عبد الفتاح العقيلي

كاتب مغربي، أستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يكتب في التزكية والسلوك وأعلام التصوّف المغربي. متربٍّ في الطريقة القادرية البودشيشية. صاحبُ «مشكاة النبوة» والكاتبُ الوحيدُ فيه، وله مقالاتٌ في منابر أخرى.

‹ جميعُ مقالاتِ الكاتب
Scroll to Top