الشيخ محمد بن ناصر الدرعي

مؤسس الطريقة الناصرية وباني «أمّ الزوايا» بتامگروت

— (1011هـ/1602م – 1085هـ/1674م)

في قلب واحات درعة، على تخوم الصحراء حيث تلتقي القوافل بالعلم، حوّل رجلٌ مسجداً صغيراً إلى أعظم مركزٍ علميٍّ وصوفيٍّ في الجنوب المغربي. إنه الشيخ محمد بن ناصر الدرعي، الذي وصفه مترجموه بـ«مجدّد الطريقة الشاذلية» و«بركة المغرب»؛ فجمع تبحّراً في علوم الظاهر إلى رسوخٍ في تربية الباطن، ونهض بمهمّةٍ إصلاحيةٍ في زمن فتنٍ واضطراب.

مولدٌ ونشأةٌ وسند

وُلد أبو عبد الله محمد بن ناصر سنة 1011هـ الموافق 1602م ببلدة أغلان بواحة ترناتة (زاكورة)، من أسرةٍ عربيةٍ يُرفع نسبها إلى جعفر بن أبي طالب. تعلّم على والده أولاً، ثم على شيخ الجماعة علي بن يوسف التمازيري، فتخرّج فقيهاً مشاركاً في العربية والتفسير والحديث والكلام والتصوف، حافظاً لمتونٍ كبرى كالتسهيل والقاموس. وانتقل إلى تامگروت سنة 1040هـ، فأخذ الطريقة الشاذلية عن عبد الله بن حسين الرقي بسندٍ يتصل بالشيخ أحمد زرّوق فأبي الحسن الشاذلي، ولازم شيوخ الزاوية حتى أُذن له في التربية والتلقين.

من مسجدٍ إلى «أمّ الزوايا»

كانت زاوية تامگروت قد تأسّست سنة 983هـ، وتعاقب عليها عبد الله بن حسين الرقي (القبّاب) ثم أحمد بن إبراهيم الأنصاري الذي بنى المسجد وحبّس عليه الأوقاف. فلمّا قُتل الأنصاري سنة 1052هـ آل أمرها إلى ابن ناصر بوصيةٍ منه، فتغيّر اسمها إلى «الزاوية الناصرية»، وعرفت في عهده ازدهاراً كبيراً حتى صارت تامگروت تُوصف بـ«أمّ الزوايا» بالمغرب.

منهجٌ يجمع العلم إلى العمل

تميّزت طريقته بالجمع القصدي بين العلم والعمل، وبين تدريس الظاهر وتربية الباطن؛ وأجمع الدارسون على أنها من أقرب الطرق إلى السُّنّة وأبعدها عن الشطح والبدع. حوّل المسجد إلى مدرسةٍ بلغ طلبتها نحو ألفٍ وأربعمائة، حتى عُدّت ثالث مركزٍ يُدرّس فيه «كتاب سيبويه». وتخرّج بها فطاحل كأبي الحسن اليوسي وأبي سالم العياشي ومحمد بن سليمان الروداني. وأثنى عليه المحبي فسمّاه «بركة المغرب صاحب الكشوفات»؛ وأورد القادري في «نشر المثاني» القولَ السائر: «لولا ثلاثةٌ لانقطع العلمُ بالمغرب في القرن الحادي عشر: محمد بن ناصر بدرعة، ومحمد بن أبي بكر الدلائي بالدلاء، وعبد القادر الفاسي بفاس».

خزانةٌ ودعاءٌ ورَكب

أقام بالزاوية خزانةً من أعظم خزائن المغرب، ضمّت في أوجها أكثر من عشرة آلاف مخطوط، ومن نفائسها موطّأٌ منسوخٌ على رِقّ الغزال بقرطبة سنة 483هـ. ومن أشهر ما اقترن باسمه «الدعاء الناصري» المعروف بـ«سيف ابن ناصر»، وهو مشهورٌ عند جميع الطرق، دعاءٌ خالصٌ لله لا وسيلة فيه لبشر. وامتدّ إشعاعه عبر «الرَّكب الناصري» الذي نظّم قوافل الحجّ من الجزائر إلى الحجاز، فانتشرت الطريقة في المغرب والصحراء وغرب إفريقيا.

بين الزاوية والمخزن

لم تكن الناصرية مدرسةً معزولةً في واحة، بل قوةً روحيةً واجتماعيةً وازنت «المخزن الناشئ» للدولة العلوية. فقد حرص ابن ناصر على استقلال زاويته، ووقع بينه وبين المولى الرشيد بن الشريف شيءٌ من الخلاف من هذا الباب. وفي الداخل كانت الزاوية مرجعاً اجتماعياً تُطعم وتكفل وتفضّ النزاعات؛ كان يقسم على أهل درعة الأضحية كلّ عيد، والصوف والزيت كلّ عام، فإذا عُوتب على عطائه أجاب: «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه». فكانت بذلك لاعباً في موازين درعة، لا زاويةً منكفئة.

الإرث: من الشيخ إلى اليوم

توفي ابن ناصر في السادس عشر من صفر سنة 1085هـ/1674م، ودُفن بروضة الأشياخ بتامگروت. وخلفه ابنه أحمد الملقّب بالخليفة (ت 1129هـ/1717م) صاحب «الرحلة الناصرية»، الذي وصف أباه بأنه «القطب الكامل المشهور بالمغرب». واستمرّ البيت الناصري قروناً يمدّ المغرب والصحراء بالعلماء، على شاكلة الزاوية الدلائية. أمّا اليوم فقد نُقل جُلّ ذخائر الخزانة إلى الرباط، وتوقّف التدريس، وصارت تامگروت مقصداً للزوّار والباحثين، ومَعلماً روحياً يقصده بعض المرضى التماساً للبركة؛ فبقيت «أمّ الزوايا» شاهدةً على أثر رجلٍ أقام في الرمل قلعةً للعلم، وصالح بين العلم والتصوف.

مصادر

— المحبي، «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر».

— محمد مخلوف، «شجرة النور الزكية»؛ والقادري، «نشر المثاني».

— أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي، «الرحلة الناصرية» (تحقيق عبد الحفيظ ملوكي، دار السويدي، 2011).

— المكي الناصري، «الدرر المرصّعة بأخبار أعيان درعة».

— «الفهرس الوصفي لمخطوطات خزانة الزاوية الناصرية بتامگروت» (إشراف حميد لحمر).

✦ مشكاة النبوة

1 فكرة عن “الشيخ محمد بن ناصر الدرعي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top