
رِجال النّور · سلسلة في أعلام التّصوّف المغربيّ
الشيخ ماء العينين القلقمي
شيخ الصحراء وباني مدينة في الرمل — (1246هـ/1831م – 1328هـ/1910م)
في قلب الساقية الحمراء، حيث لا شيء إلا الرمل والريح، أقام رجلٌ مدينةً وخزانةً ومقاومة. إنه الشيخ ماء العينين القلقمي، الذي جمع ما قلّ أن يجتمع في واحد: فقهاً مالكياً وتصوفاً عملياً وجهاداً في وجه استعمارين. لم يكن مجاهداً حمل السلاح فحسب، بل صاحبَ مشروعٍ روحيٍّ إصلاحيٍّ جعل من التصوف عملاً ومن العلم سياسة.
مولدٌ ونشأة في أقصى الجنوب
وُلد سيدي المصطفى المعروف بـ«ماء العينين» بولاية الحوض الشرقي من بلاد شنقيط (موريتانيا) سنة 1246هـ الموافق 1831م، حيث كانت محلّة والده الشيخ محمد فاضل بن مامين وزاويته العلمية، في بيت علم وصلاح. ويرتقي نسبه إلى إدريس الأكبر مؤسس دولة الأدارسة، فهو شريف إدريسي حسني. حفظ القرآن بالروايات السبع قبل أن يبلغ الحُلُم، وتصدّر للتدريس والإفتاء في مدرسة والده قبل العشرين. وعلى والده — مؤسس الطريقة الفاضلية، فرعِ القادرية — تخرّج وأخذ الطريقة. ثم أدّى الحجّ، فكانت رحلته نافذةً على حداثة العصر، ركب فيها القطار واطّلع على مستجدات زمانه.
تصوّفٌ يفتح على الفعل
كان تصوفه سُنّياً أخلاقياً لا شطح فيه؛ الولاية عنده بالاتّباع لا بالخوارق، والتربية بالذكر والصحبة والترقية التدريجية. ولم يُلزم مريديه ورداً بعينه، بل آخى بين الطرق ونبذ التفرّق وأعلن أنه «مخاوٍ لجميع الطرق»، ودعا إلى التجديد وعدم الجمود على مذهبٍ أو رأي. وقام منهجه على التوكل مع الأخذ بالأسباب؛ فكان يقيناً عملياً يفتح التصوف على الجهاد لا على الانكفاء والزهد السلبي.
مدينةٌ في الرمل ومرجعٌ للقبائل
أعظم آثاره مدينة السمارة التي أحياها سنة 1316هـ الموافق 1898م، فبنى قصبتها ومسجدها ومدرستها، وأقام بها خزانةً وصفتها بعض المصادر بأنها من أعظم مكتبات شمال إفريقيا. ولم تكن الزاوية مركز علمٍ فحسب، بل شبكة إغاثة؛ يروي معاصره محمد الأمين الشنقيطي أنه رأى بها نحو عشرة آلاف نفسٍ في عيشٍ رغد، يزوّجهم ويكفلهم ويطعمهم. وبهذا الرصيد — النسب الشريف والثروة المتنقّلة والزاوية المرجع — حوّل الولاء الروحي إلى رافعةٍ لتعبئة القبائل، إذ كانت أخبار كراماته التي دوّنتها كتب المناقب ترسّخ هيبته ومشروعيته في مجتمعٍ قبليٍّ لا تحسمه سلطةٌ مركزية.
قلمٌ وسيف
ترك مؤلفاتٍ غزيرة قدّرها المحققون بنحو مئةٍ وخمسين مصنَّفاً في الأصول والفقه والعربية والتصوف والحساب والأسرار، أشهرها «نعت البدايات» و«دليل الرفاق» و«هداية من حار في أمر النصارى»؛ وتتوزّع نسخها اليوم بين الخزانة الحسنية والمكتبة الوطنية بالرباط وخزائن باريس وموريتانيا. وحين اشتدّ الزحف الفرنسي والإسباني نظّم قبائل الصحراء للمقاومة، واستمدّ من سلاطين المغرب — الحسن الأول وعبد العزيز — العتاد، حتى غدا في الجنوب أشبه بخليفةٍ للسلطان.
في الختام: من الرمل عمران
اشتدّ الحصار على السمارة فانتقل إلى تيزنيت، حيث توفي في شوال 1328هـ الموافق أكتوبر 1910م ودُفن بها، ويُروى أنه قُبض وهو في هيئة سجود. حمل الراية بعده ابناه أحمد الهيبة «السلطان الأزرق» ومربيه ربه، وامتدّت المقاومة إلى 1934م، بينما دمّرت فرنسا السمارة سنة 1913م وأحرقت خزانتها. ويبقى اسمه — إلى اليوم — مقترناً بالسمارة، ومن ورائها بمغربية الصحراء؛ رجلٌ جعل من الرمل عمراناً، ومن التصوف جهاداً، ومن العلم إصلاحاً.
مصادر
— الطالب أخيار بن الشيخ مامينا، «ماء العينين: علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوروبي».
— محمد الظريف، «الحياة الأدبية في زاوية الشيخ ماء العينين» (منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه).
— أحمد ولد حبيب الله، «الأشراف القلاقمة الأدارسة في موريتانيا: قبائل أولاد الشريف أبي بزولة نموذجاً».
— محمد بن الشيخ يربان القلقمي الإدريسي، «أعلام الشناقطة في الحجاز والمشرق».
— محمد المختار السوسي، «المعسول» و«سوس العالمة»؛ ومؤلفات الشيخ نفسه: «نعت البدايات»، «دليل الرفاق».
✦ مشكاة النبوة