
رِجال النّور · سلسلة في أعلام التّصوّف المغربيّ
الشيخ محمد بن أبي بكر الدلائي
محمد بن أبي بكر الدلائي: شيخ الزاوية الدلائية الذي حفظ العلم بالمغرب
نُسِبَ إلى الحسنِ اليوسي قولُه: «لولا ثلاثةٌ لانقطعَ العلمُ بالمغربِ في القرنِ الحادي عشرَ لكثرةِ الفِتَن: محمدُ بنُ ناصرٍ بدَرْعة، ومحمدُ بنُ أبي بكرٍ الدلائيُّ بالدلاء، وعبدُ القادرِ الفاسيُّ بفاس». وفي زمنٍ تعطَّلت فيه مجالسُ العلمِ بالحواضرِ بعد وفاةِ المنصورِ الذهبي، أضاءت زاويةٌ جبليةٌ بالأطلسِ المتوسط، مِحورُها محمدُ بنُ أبي بكرٍ الدلائيُّ، ثاني مشايخِها وأكبرُ علمائها.
الأسرةُ والزاوية
الدلائيون بيتٌ صنهاجيٌّ من قبيلةِ مجَّاط، أسَّس جدُّهم أبو بكرٍ زاويتَهم سنة 1566م بإشارةِ شيخِه القَسْطَلِّي، فصارت قريةً علميةً «في عِدادِ المدائن». وخلَفه ابنُه محمدٌ (المولودُ نحوَ 967هـ/1559م) فبلغت الزاويةُ في عهده ذُروةَ مجدِها العلمي.
العالِمُ الحافظ
حفِظ القرآنَ، وأخذ العربيةَ والحسابَ عن ابنِ القاضي، والفقهَ عن الدَّرَعي، ثم رحل إلى الحجِّ فأخذ بالقاهرةِ عن زينِ العابدين البكري، وبفاسٍ عن يوسفَ الفاسيِّ والقَصّار، فروى أحدَ عشرَ تفسيرًا والكتبَ الستةَ، وعاد جِسرًا بين المغربِ والمشرق. برَز في الحديثِ حتى حفِظ الصحيحين، وأصدقُ ما يكشفُ نقدَه قولُه: «حُفّاظُ المغربِ ثلاثةٌ: ضابطٌ ثقةٌ، وضابطٌ غيرُ ثقةٍ، وغيرُ ضابطٍ ولا ثقةٍ» — يُميِّزُ بين الضبطِ والعدالة. ومع سَعتِه لم يُؤلِّفْ إلا قليلًا؛ فكان شيخَ إسنادٍ حيٍّ لا صاحبَ كُتُب.
وصَفه العربيُّ الفاسيُّ بأنه «واسطةُ عِقدِ الأُسرةِ وعالِمُها الكبير».
المدينةُ العلمية
بلغت مساكنُ الطلبةِ بمدرستِه ألفًا وأربعمائةٍ يُنفِقُ عليهم، وخزانتُها عشرةَ آلافِ مجلد. وقامت هذه النهضةُ على بنيةٍ اقتصاديةٍ متينةٍ: أحباسٌ زراعيةٌ في سهولِ تادلا، وفتوحُ المريدين، وطرقُ القوافل؛ حتى شهِد كنّونٌ بأن ثقافةَ الدلاءِ «أحيت ذَماءَ الأدبِ في الغربِ بعد عدَم». فقصدها العلماءُ الفارّون من فتنِ الحواضر، ينفِقُ الشيخُ عليهم بلا حساب.
الطريقةُ والشمائل
جمَع سندَه في الطريقةِ الشاذليةِ الجَزوليةِ من ثلاثِ طرقٍ، فكان تصوّفُه علمًا مُسنَدًا لا عاطفةً غُفلًا. وكان رقيقَ الطبعِ يبكي عند سماعِ مديحِ النبيِّ ﷺ؛ فاجتمعت فيه دِقّةُ المحدِّثِ ورِقّةُ الأديبِ وتجرُّدُ الزاهد.
من الزاويةِ إلى الدولة: الصراعُ مع المخزن
لم يكن دورُ الزاويةِ دينيًّا خالصًا؛ فقد ألجأها انهيارُ الدولةِ السعديةِ بعد 1603 إلى وظائفَ زمنيةٍ: حفظِ الأمنِ وحمايةِ القبائلِ الضعيفة. وقد خاض المترجَمُ له غمارَ ذلك، فاستعمل السيفَ لكفِّ الظلمِ عن قومه، وهاجرَ حينًا إلى تاغِيا في الفتنة. لكنه أدرك خطرَ الطريق، فوصَّى بنيه عند موتِه ألا يطلبوا المُلكَ، وتلا عليهم قولَ طالوت:
﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ … إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة: 249]
غير أن حفيدَه السلطانَ محمدًا الحاجَّ لم يعمل بالوصية؛ فتولّى الزاويةَ سنة 1637م ونقلها من حركةٍ علميةٍ إلى دولةٍ محاربة: واجه السعديين واقتطعَ ملويةَ وتادلا، وزحفَ على مكناسَ سنة 1640، وحاربَ المجاهدَ العياشيَّ على فاسَ في حروبٍ سِجالٍ حتى دانت له سنة 1641، وبسطَ سلطانَه على سلا وثغورِ الأطلسيِّ وأسطولِ الجهادِ البحري، وعاهدَ فرنسا وإنجلترا وهولندا، حتى بُويِعَ سلطانًا على المغربِ سنة 1659، وامتدَّ مُلكُه من أمِّ الربيعِ إلى تطوان، وناب عنه ابنُه عبدُ الله في سلا فقادَ أسطولَ الجهادِ البحري ورابطَ على العدوتين. ثم اصطدم بالدولةِ العلويةِ الناشئة: هادنها على حدودٍ أولًا، ثم نشِبت الحربُ فهزمَ محمدَ بنَ الشريفِ في «القاعة» وفتحَ سجلماسة. غير أن فاسَ ثارت عليه وتحالفت مع الخضرِ غيلان، فاستعادها بحصارٍ دام أشهرًا حتى عادت لطاعته سنة 1664. لكنَّ الكفةَ انقلبت لَمّا ظهر السلطانُ الرشيدُ العلويُّ، فاشتبك مع الدلائيين في معاركَ متواليةٍ حسمها في «بطن الرُّمّان» سنة 1079هـ/1668م، فخرَّب الزاويةَ ونفى أهلَها إلى فاسَ وتلمسان — تصديقًا لما حذَّر منه الجَدُّ.
الوفاةُ وبقاءُ العلم
توفي محمدُ بنُ أبي بكرٍ في رجبٍ 1046هـ/دجنبر 1636م، ودُفِن بالدلاء تحت قبةٍ بناها له السعديون. وتخريبُ الرشيدِ للزاويةِ أنهى دولةَ الأحفادِ لا علمَ الجَدِّ؛ فتصدَّر العلماءُ الدلائيون بعد النكبةِ مجالسَ فاسَ ومكناسَ ومراكشَ وتلمسان، وتولَّوا القضاءَ والفتوى والخطابة، حتى تتلمذ لهم أمراءُ العلويين، وأنجبت الأسرةُ نحوَ أربعين عالمًا وأديبًا، وبقيَ العلمُ والصلاحُ متوارثًا فيهم إلى القرنِ الثالثَ عشرَ الهجري. فذهب المُلكُ وبقيَ العلمُ نورًا يُستضاءُ به.
المصادر والمراجع
١. محمد حجي، «الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي».
٢. أبو علي الحسن اليوسي، «المحاضرات في الأدب واللغة».
٣. أبو حامد العربي الفاسي، «مرآة المحاسن».
٤. عبد السلام القادري، «نشر المثاني».
٥. محمد بن جعفر الكتّاني، «فهرس الفهارس والأثبات».
٦. عبد الله كنّون، «النبوغ المغربي في الأدب العربي».
✦ مشكاة النبوة