
القبلة المحوّلة: إخوة الأمس في ساحة النّزال
كيف يصير الخصمُ قِبلةً، والظُّهورُ حجابًا
مضى عام والخصومة قائمة، في خلاف نشأ في بيت من بيوت هذا الطريق، حتى استحال الذكرُ ترقّبًا والمجلسُ ساحةً، لا يلتقي فيه أحدنا بأخيه إلا على زلّة يترصّدها. وأسائل نفسي: متى صار وجودنا معلّقًا على غياب الآخر، حتى إذا توهّمنا زواله شعرنا بشيء يشبه الحياة؟ لستُ أكتب لأقيم الحجّة على أحد، بل لأسائل نفسي؛ ولعلّ في السؤال ما ليس في الحكم.
حين يصير الخصم قِبلة
أوَليس من أخطر ما تورثه الخصومة الطويلة أن يقيم المرء عدوّه حيث ينبغي أن يقيم ربّه؟ فمريد كان يوجَد بالله يمسي يوجَد بالخصم، ولا يدري متى تحوّلت قبلته من وجه الحقّ إلى وجه عدوّه. وحين ننازع ونحن نحسب أنّا نذبّ عن الحقّ، ألا يتسلّل إلى القلب من التعلّق بالخصومة ما يزاحم إخلاص الوجهة من حيث لا نشعر؟ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ والرّيح ههنا القوّة والمنعة، فهل ذهبت ريح قوم إلا من داخلهم؟
ولعلّ أوضح ما يكشف هذا الانقلاب أن يرى كل فريق في الآخر صورةً رسمها هو، ثم أقام لها في قلبه محرابًا. فهذا يرى في مخالفيه من شقّ عصا الطريق واستعان بغير أهله؛ وذاك يرى في الطرف المقابل وجهًا مشوّهًا للطريق، ويتعزّى بما يُنقل من أنّ أتباعه سيتفرّقون عنه حتى يبقى وحيدًا. ولا يخالجنا شكّ أنّ في كلا الفريقين صادقين ذاكرين، يطوون على هذا الشقاق حسرةً، وقد رأوا واحدة من أعرق طرق القوم في هذا البلد تتصدّع بين إخوة الأمس. والصورةُ التي نرسمها للخصم تصفنا قبل أن تصفه؛ فأمّا انتظار تفرّق الناس عنه فما أحسبه توكّلا، بل شماتةٌ تلبس ثوب اليقين.
المحراب والميدان
ومن جعل الخصومة قبلته، هل يبقى في نظره فرق بين محراب وميدان؟ وقد رأينا القوّة تُستعرض في ليلةٍ نُذرت للذكر، والعصبيّة تُحمل إلى حيث تُرفع الأكفّ بالدعاء، وما تُرهب إلا صاحبَها. فما كان لخلافٍ أن يُحمل على ظهور الفقراء، ولا أن يُقحم في خلوة الذاكرين؛ فما جاء القوم إلى مضاربهم ليشهدوا أيّهم أشدّ ساعدًا، بل ليقيموا ليلهم على ذكر يصلهم بربّهم.
ولستُ أزعم مساواةً بين يد تمتدّ ويد تكفّ، ولا بين من يحمل العصا إلى المحراب ومن يُقيم فيه ذكره؛ فللظلم اسمه، ولا يمحوه التأمّل. لكن حين يُساء إلينا، أنجعل من الإساءة راية نلوّح بها، أم نكِل أمرها إلى الله؟ فما يُقاس المرء في هذا الطريق بما ناله من ظلم، بل بما صنع بقلبه بعده.
الظُّهور حجاب
وقد يُساء إلينا الإساءة البالغة فلا نجد بدّا من الردّ؛ إذ السكوت في موضع الحقّ خذلان، ولا سيّما حين تتقاعس الأيدي التي كان ينبغي أن تُنصف. فالذبّ عن الحقّ حينئذ واجب لا أعتذر عنه. لكن ثمّة سؤالًا أدقّ: هل تظلّ النصرة نصرةً للحقّ، أم تنقلب طلبًا للغلبة؟ وليس الظهور في ذاته مذمومًا، إنما المذموم أن ينقلب من أثر للعمل إلى غاية للنفس. يقول ابن عطاء الله: «ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتمّ نتاجه»؛ فما استخفى اختمر فأثمر، وما التمس الضوء قبل أوانه ذوى.
وقد اعتزل قوم الساحة، فقيل: أصابوا. ولستُ أدري: أبالموقف تُعرف السلامة، أم بالمقام الذي يصدر عنه؟ فقد يكون الاعتزال بابًا من التعالي، وقد تكون المنازلة حميّةً للصفّ لا نصرةً للحقّ. وقد قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾؛ فمن ذا يجرؤ أن يُزكّي صفّا ويُدنّس صفّا، والتزكية لله وحده؟ ولستُ أسوّي بين حقّ وباطل، ولا أتبرّأ من قناعة؛ فللحقّ أهله، وليس هذا مقام الفصل في أصل النزاع. لكن أتُطهّر صحّةُ الوجهة قلبًا خالطه حبُّ الغلبة وشماتةُ الظفر؟ فقد يكون المرء على الحقّ وقلبه في أسر خصمه، وتلك مصيبة أخفى من مصيبة الضلال، لأنها تلبس ثوب النّصرة.
في الختام: عَود إلى الوجه الأوّل
وأعود إلى نفسي أوّلا: أما خرجنا في هذا الطريق لنُغلَب بين يدي الله لا لنغلب أحدًا؟ والطريقة سبيل يوصّل لا وطن يُستمات عند حدوده؛ فمن جعل جماعته وطنه، أما استوطن حيث أُمر أن يعبُر؟ ولن يُنجّينا أن يخلو الميدان لنا من الآخر، وإنما أن تخلو قلوبنا لله. فهل نُعيد القبلة إلى وجهها الأوّل، ونكفّ عن الصلاة إلى ظهور خصومنا؟ ثم أسأل، ولا أحكم: من لا يجد الله إلا حين يسقط غيرُه، أوجدَ اللهَ حقّا؟
✦ مشكاة النبوة
عن الكاتب
عبد الفتاح العقيلي
كاتب مغربي، أستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يكتب في التزكية والسلوك وأعلام التصوّف المغربي. متربٍّ في الطريقة القادرية البودشيشية. صاحبُ «مشكاة النبوة» والكاتبُ الوحيدُ فيه، وله مقالاتٌ في منابر أخرى.
‹ جميعُ مقالاتِ الكاتب
مقالات ذات الصلة
رحلة روحية إلى جبل العلم: سر ابن مشيش وأنوار الصحبة
زيارة بين وجدة ومداغ… حين يتّسع القلب للسير